الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

الإسلاميون والديمقراطية

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

أخبار الحياة، 13 ديسمبر 2011.
abdelfath-s

مع صعود القوة الانتخابية للإسلاميين في مصر بعد الثورة، تزداد الحاجة إلى توضيح بعض الأمور في شأن علاقة الإسلاميين بالديمقراطية.

لاشك أنه لا تزال مواقف جناح من التيار الإسلامي في مصر ملتبسة في شأن الديمقراطية، إذ يرى الكثيرون – على مستوى القيادة والقاعدة - أن لا حاجة للديمقراطية إذا ما طُبق الإسلام وحكمت الشريعة. هؤلاء يقارنون بين الإسلام والديمقراطية، وهذا أمر غير دقيق ولا يجوز، فالإسلام دين شامل به أحكام في العقيدة والعبادات والمعاملات بما في ذلك الشأن السياسي، أما الديمقراطية فنظام لإدارة الشأن السياسي. ولهذا فالأصوب أن نفهم موقف الإسلاميين (أي اللذين يستندون إلى مرجعية فكرية مستمدة من الإسلام) من الديمقراطية.

هناك فهم عام صحيح قوامه أن الإسلام يضع الأحكام الإلهية الثابتة والمرجعات العليا والمبادئ الأساسية تاركًا للمسلمين على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وعاداتهم واجب (وليس مجرد حق) انزال تلك الأحكام على الواقع المختلف باختلاف الزمان والمكان ووضع الأنظمة التي تكفل تطبيق تلك المبادئ والمرجعيات.. بمعنى ليس من الدقة القول أن بالإسلام نظام سياسي، وإنما الأدق هو أن نقول أن بالإسلام معين لا ينضب هو الشريعة التي تصلح للإستناد إليها في وضع المرجعية العامة لأي نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.. وما نضعه من أنظمة لابد أن يتغير بتغير الزمان والمكان، بل وفهمنا للشريعة متغير بتغير الزمان والمكان.. وبالطبع يمكن وصف ما نضعه من أنظمة بوصف الإسلامية، إلا أن طبيعتها المتغيرة والبشرية والقابلة للحكم عليها بأنها صواب أو خطأ يجب أن تدفعنا لتجنب وصفها بالإسلامية، في اعتقادي، فالخطأ سيعود في الأغلب للإسلام ذاته..

ومن جهة أخرى، يغيب عن بعض الإسلاميين أن الديمقراطية هي نظام للحكم ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحدد الاجراءات والممارسات والمؤسسات والقيم الكفيلة بأمرين، أولهما كيفية اختيار الحكام ومحاسبتهم وعزلهم عند الضرورة، وثانيهما حماية حريات الأفراد وحقوقهم وكرامتهم. والديمقراطية بهذا المعنى، وإلى أن نعود لها في مقالات أخرى، ليست منتجا غربيا صرفا، وليست فلسفة سياسية تنافس الأديان، وهي تعمل في بيئات مختلفة ثقافيا واجتماعيا..

وهناك مشكلة أخرى هي أن من الإسلاميين من يهتم بعيوب الديمقراطية في الغرب أكثر من عيوب أنفسهم.. فالكثير يجتهد في خطابه بإظهار تلك العيوب دون بذل الجهد لتقديم البديل أو دون إعمال العقول لتقديم المقاربات اللازمة للمواءمة بين أوضاعهم المحلية وبين الديمقراطية.. خطورة هذا الخطاب هو أنه يزرع في الناس اعتقادا خاطئا بأن الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، دون تقديم بديل ملموس تفصيلي.. والقول ببساطة أن العودة للإسلام تحل الأمر فيه تخدير لعقول الناس التي أمرها الله عز وجل أن تبدع في وضع الأنظمة التي تنزل الأحكام الإلهية الثابتة على الواقع المتغير زمانا ومكانا أو أن تقتبس من الآخرين بما لا يتعارض مع ثوابت الإسلام..

ما لا يفعله جناح من إسلاميي مصر (وفعله الكثيرون من الديمقراطيين الجدد في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا وماليزيا وغيرها) هو عملية المواءمة بين متطلبات ومرجعيات مجتمعاتهم وبين الديمقراطية دون تسفيه الديمقراطية والترويج لها على غير حقيقتها.. ويكفي هنا الإطلاع على المواءمات التي أنتجت الدساتير والأنظمة والقوانين الانتخابية في أمريكا اللاتينية والهند، أو على فهم رؤية مهاتير محمد وأنور إبراهيم في ماليزيا أو أردوغان وأوغلوا في تركيا في شأن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.. هذه المواءمات ليست نقلا مباشرا من الغرب وإنما إعمال للعقل وأخذ لما يوافق مجتمعاتهم والإضافة عليها وهذا هو الأهم..

الديمقراطية أحد أشكال الحكم وليس "الشكل الوحيد"، وهي أصلح نظام وصل إليه البشر حتى يومنا هذا وليس "الأصلح"، ولهذا بها عيوب وإشكاليات تظهر دوما في أي نظام من صنع البشر.. لكن بالإمكان العمل على (بل ويجب العمل على) سد الثغرات التي أفرزتها الممارسات الغربية للديمقراطية، لأن الديمقراطية ذاتها توفر قدرا كبيرا من الحرية وآليات مختلفة للتصحيح.. والله أعلم.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث