السبت، 28 صفر 1439 - 18 تشرين ثاني / نوفمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات الجزيرة الثورة والحاجة إلى دستور ديمقراطي جديد

الثورة والحاجة إلى دستور ديمقراطي جديد

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 
1 1013281_1_34


رسالة إلى المجلس العسكري

معالم الدستور الديمقراطي المنشود
بديل المشاركة

يطرح هذا المقال للنقاش والحوار خطة عمل بديلة لرؤية المجلس العسكري لإدارة المرحلة الانتقالية في مصر، تقوم على مرحلة انتقالية تنتهي بوضع دستور ديمقراطي جديد وبناء مؤسسات ديمقراطية كفيلة بوضع مصر على بداية الطريق المؤدي إلى تلبية كافة أهداف الثورة ومطالب الشعب.

رسالة إلى المجلس العسكري
بداية، هناك عدد من الأسئلة المشروعة يرددها الكثيرون: عن ماذا سيجرى استفتاء 19 مارس/آذار الحالي؟ وكيف يُعلن موعد الاستفتاء قبل الانتهاء من عمل لجنة تعديل الدستور ونشر النسخة الأخيرة من التعديلات؟ ثم ألم يصرح أعضاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأن التعديلات سترسل إلى القوى الوطنية وستخضع لحوار مجتمعي قبل إقرارها؟ ولمصلحة من يتم تجاهل كل الانتقادات التي وجهت للتعديلات؟ ولماذا الإصرار على إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية؟ وهل الحالة الأمنية في الشارع تسمح بإجراء استفتاءات وانتخابات؟ ولماذا الانفراد بتشكيل اللجنة التي كلفت بإجراء التعديلات في الأساس؟

ما تحتاجه مصر هو أن يقرأ المجلس العسكري ما يحدث في مصر بالشكل الذي يقرؤه ملايين المصريين: مصر تشهد ثورة شعبية حقيقية، هدفها الأساسي ليس تنحية الرئيس فقط، وإنما تغيير طبيعة النظام السياسي من نظام يتحكم فيه فرد واحد ومجموعات من المنتفعين، إلى نظام ديمقراطي يقوم لأول مرة على المساواة والمواطنة واحترام كرامة الإنسان.. إنها ثورة من أجل الديمقراطية في المقام الأول. وهذا الهدف يتطلب أكثر من تعديل الدستور.

"
مصر تشهد ثورة شعبية حقيقية هدفها الأساسي ليس تنحية الرئيس فقط، وإنما تغيير طبيعة النظام السياسي من نظام يتحكم فيه فرد واحد ومجموعات من المنتفعين إلى نظام ديمقراطي
"

كان بالإمكان تعديل الدستور لو استجاب النظام السابق لدعوات الإصلاح التي رفعها شرفاء مصر منذ ثمانينيات القرن العشرين، أما الآن وبعدما صنع الشعب ثورته، فالدستور الجديد يمثل مطلبا واحدا من مطالب الجماهير المشروعة التي ستمتد -في المستقبل القريب وعلى نحو تدريجي- إلى تغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة في المجتمع المصري، فهذا ما تحتاجه مصر ونهضتها بعد عقود من التأخر والفساد.

لقد سقط دستور 1971 منذ اليوم الأول للثورة، وأكد سقوطه تكليف الرئيس المخلوع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد يوم 11 فبراير/شباط الماضي. ومن هنا فقد أخطأ المجلس عندما أعلن تعطيله العمل بالدستور وعندما حاول إعادة الحياة لدستور ميت في الأساس.

ولا يمكن الاستناد إلى نص في التعديلات قيل إنه يدعو إلى عقد جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد خلال ستة أشهر من انتخاب مجلسي الشعب والشورى نظرا لغموض هذا النص وعدم التيقن من وجوبه من جهة، والتخوف من إجراء تعديلات أخرى من قبل الرئيس المنتخب بالنظر إلى صلاحيات الرئيس الواسعة في الدستور من جهة أخرى.

هذا بجانب أن الوضع الأمني الراهن وأحوال الشارع السياسي المصري الذي يتحسس طريقه نحو الديمقراطية لا يسمحان بذهاب المواطنين إلى صناديق الاستفتاء والانتخابات ست أو سبع مرات في مدة سنة أو سنة ونصف.

وبحسب رؤية المجلس العسكري سيذهب الناس إلى مراكز الاقتراع أربع مرات خلال ستة أشهر من الآن لإجراء استفتاء على الدستور وانتخاب مجلس الشعب ومجلس الشورى والرئيس. ومن المتصور أن يذهب الناس ثلاث أو أربع مرات أخرى إلى مراكز الاقتراع للاستفتاء على الدستور الجديد ولانتخابات برلمانية ورئاسية بعد وضع الدستور الجديد.

هذا جدول زمني مرتبك جدا وتحرك غير مناسب لإدارة بلاد تشهد ثورة لا مثيل لها في تاريخها. وإذا كان مبدأ وضع دستور جديد مطروح، فلماذا الإصرار على انتخابات برلمانية ورئاسية الآن! لأن سقوط الدستور والنظام بأكمله يتطلب فترة انتقالية لا تقل عن سنة، يتفرغ فيها الجيش لمهامه الوطنية ويتولى خلالها مجلس رئاسي من عدد من المدنيين وعسكري وحكومة انتقالية لإدارة البلاد، على أن يصدر المجلس والحكومة إعلانا دستوريا ينظم المرحلة الانتقالية ويوقف العمل بكل القوانين المقيدة للعمل السياسي ويفتح المجال أمام ظهور الأحزاب والإعلام الحر.

معالم الدستور الديمقراطي المنشود
خلال هذه المرحلة الانتقالية تحتاج مصر إلى بذل كل الجهود للتوافق على دستور ديمقراطي جديد ومنظومة قانونية وسياسية جديدة. ويمكن هنا اقتراح الأمور والمواصفات الديمقراطية التالية:

1- الأطراف: تشترك في وضع الدستور الديمقراطي كافة القوى الوطنية التي ساهمت في إنجاح الثورة بما في ذلك المؤسسة العسكرية، فشرعية الدستور تستمد من الشرعية الثورية التي أوجدها الملايين وقدموا في سبيلها الشهداء والمصابين ومهدت لها قوى وطنية عملت لسنوات من أجل تغيير مصر.

2- الكيفية: يتم وضع الدستور مع نهاية المدة الانتقالية من خلال جمعية تأسيسية يتم اختيار أعضائها بالانتخاب والتوافق، وذلك لضمان تمثيل كافة الأطراف واحتواء الجمعية على خبراء في السياسة والقانون والاجتماع والاقتصاد والإدارة.

3- المبادئ العامة: دستور مصر الديمقراطي لا بد أن يتضمن الخصائص الرئيسية لنظم الحكم الديمقراطي المعاصر بمؤسساته وآلياته وإجراءاته المعروفة، وأهمها: الأمة مصدر السلطات، حكم القانون، الفصل بين السلطات، المواطنة، التداول على السلطة، الانتخابات الحرة والنزيهة والفعالة، صيانة الحريات السياسية والمدنية وخاصة حريات التعبير والتنظيم لإيجاد رأي عام مستنير وتمكين المواطنين من تحقيق مشاركة سياسية فعالة في اختيار الحكام والنواب وفي التأثير على القرارات السياسية.

"
لأن الديمقراطية ذاتها تعني وضع قيود على الحكام منعا لإساءة استخدام السلطة والمال العام، فلا بد من نزاهة القضاء واستقلاليته وتفعيل أجهزة الرقابة السياسية والقضائية والمالية والإدارية
"

4- الضمانات: لأن الديمقراطية ذاتها تعني وضع قيود على الحكام منعا لإساءة استخدام السلطة والمال العام، فلا بد من نزاهة القضاء واستقلاليته وتفعيل أجهزة الرقابة السياسية والقضائية والمالية والإدارية، وذلك كضمانة لعدد من أهداف الثورة وخاصة الحفاظ على هوية المجتمع وكرامة أبنائه، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والشفافية في إدارة المال العام، والمساواة أمام القانون وإلغاء كافة أشكال التمييز والكف عن وضع ما يسمى في مصر "كادر خاص" لفئات دون أخرى.

كما يمكن تبني نظام القائمة النسبية للحد من المال السياسي والعصبيات وضمان حقوق الأقباط والفئات الضعيفة سياسيًا كالمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة.

ولأجل ضمان التداول على السلطة وعدم الانقلاب على الديمقراطية، يمكن اللجوء إلى آلية الحظر الموضوعي لبعض مواد الدستور، بمعنى تحديد مواد في الدستور غير قابلة للتعديل كما كانت المادة 156 من دستور 1923 التي استهدفت تحصين الشكل البرلماني ووراثة العرش ومبادئ الحرية والمساواة، ومثل عدد من دساتير أوروبا في إيطاليا وألمانيا وفرنسا.

5- التعديل والتطوير: الدستور المنشود تعاقد مجتمعي متجدد يعكس الأسس العامة لهوية المجتمع المصري ولا يتصادم مع آمال أغلبية السكان ولا ينتقص من حقوق الأقلية. ولهذا يجب أن يحتوي على إجراءات واضحة لتعديله وتطويره من قبل الأطراف التي وضعته متى استدعت الحاجة، وبحيث لا ينفرد الرئيس باقتراح التعديل.

6- ممارسة الديمقراطية لمستخدمي الدستور: ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فوثيقة الدستور الديمقراطي والقوانين المكملة لا بد أن تحتوي على أسس وضمانات لضمان ممارسة الديمقراطية داخل القوى السياسية كالأحزاب والنقابات والمجتمع المدني. ويتطلب هذا وجود جهات تمارس أعمال الرقابة والمتابعة، وإسناد مهمة النظر –والفصل- في مدى ديمقراطية هذه القوى إلى المحكمة الدستورية العليا.

7- سبل إعادة الثقة في السياسة: ونظرا لفقدان الثقة بين المواطنين والسلطة وتشويه سمعة السياسة والسياسيين لعقود، فهناك حاجة إلى إنشاء:

أ- هيئة مستقلة للانتخابات تعمل كسلطة رابعة دائمة، ومحايدة سياسيا، ومستقلة (هيكليًا ووظيفيًا وماليًا) عن السلطة التنفيذية، لتتولى الإشراف وإدارة كافة مراحل الانتخابات التي تجرى في مصر: البرلمانية والمحلية والرئاسية والنقابية والعمالية والانتخابات الداخلية للأحزاب وانتخابات الكليات والجامعات والاتحادات الطلابية والنوادي الاجتماعية وغيرها.

ب- هيئة وطنية للتعليم المدني تقدم برامج تربية سياسية مكثفة لكافة فئات المجتمع، لأجل إعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة بشكل عام، وترسيخ المعاني الإيجابية لمفهوم السياسة في اللغة العربية والتي منها الإصلاح والرعاية. بجانب تأهيل المواطنين سياسيا وإكسابهم المعارف والمهارات الضرورية لتمكينهم من المشاركة الفعالة، وإزالة كل الآثار السلبية التي خلفتها عمليات التضليل التي مارسها أقطاب النظام السابق، وكشف حقيقة عمليات غسيل المواقف التي يقوم بها بعض مؤيدي النظام السابق الآن. بالإضافة إلى وضع مقررات دراسية لمختلف مراحل التعليم في مجالات التربية المدنية وحقوق الإنسان وواجباته.

"
يجب التوافق على مرشح واحد للرئاسة بدلا من تعدد المرشحين المحسوبين على الثورة، فتعدد المرشحين قد يصب لصالح مرشح قوى تابعة للنظام السابق
"

بديل المشاركة 
على القوى الوطنية الاستمرار في الضغوط الشعبية من أجل إسقاط هذه التعديلات والدفاع عن وضع دستور جديد. لكن يجب أيضا التفكير في بدائل سياسية أخرى بالنظر إلى قبول بعض الأطراف هذه التعديلات كالإخوان وجماعات سلفية وإسلامية أخرى وبعض المجموعات الشبابية وبعض الأحزاب التقليدية وغيرها، وبالنظر أيضا إلى حالة التشتت التي ظهرت في الشارع ودعوات العودة إلى الاستقرار والكف عن المظاهرات.

وهنا أعتقد أن تمرير هذه التعديلات وفرض جدولها الزمني لا ينبغي أن يقابل بسياسة المقاطعة هذه المرة، فمع وجود ضمانات أكبر لنزاهة الانتخابات يجب على القوى الوطنية والمجموعات الشبابية التفكير في خوض الانتخابات إذا ما فرضت عليها، لكن بعد التوافق على برنامج موحد لقوى الثورة في انتخابات البرلمان والرئاسة، وذلك حتى يمكن المساهمة في استكمال مطالب الثورة عبر كل الوسائل الممكنة وعدم ترك الساحة لجزء من القوى السياسية.

وأتصور أنه يجب التوافق -من الآن- على مرشح واحد للرئاسة بدلا من تعدد المرشحين المحسوبين على الثورة، فتعدد المرشحين قد يصب لصالح مرشح قوى تابعة للنظام السابق.

الثورة والحاجة إلى دستور ديمقراطي جديد، الجزيرة 14 مارس 2011

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث