الخميس، 4 ذي القعدة 1438 - 27 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون من آفات الاستبداد: "أنا مع الحكومة"

من آفات الاستبداد: "أنا مع الحكومة"

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

المصريون: 5 أغسطس 2006

آفة الكثير من النظم المستبدة التي لا تُعير اهتماما لقضايا حقوق الإنسان أو التداول السلمي على السلطة أو محاسبة الحكام والمسؤولين أنها لم تتسبب فقط في تأخر جُل قطاعات المجتمع من سياسة واقتصاد وتعليم وقضاء وصحة وبحث علمي وتكنولوجيا، وإنما امتدت آثارها السلبية إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك، وأعني هنا محاولة تجريد الإنسان من طبيعته الاجتماعية أو ما يُعرف في علم اجتماع السياسة بـ "حالة الوعي الاجتماعي" التي صَكّها عالم السياسة الفرنسي جورج بوردو، أي الحالة التي ينتقل الإنسان بها من العيش في "تجمع" بصورة غريزية لاواعية يهتم فقط بمصلحته الذاتية وبشكل أناني صرف إلى العيش في "مجتمع" يقوم على أساس الإدراك الواعي للمصلحة الخاصة ومدى ارتباطها بالمصلحة العامة للمجتمع ككل، الأمر الذي يقتضي من الإنسان تهذيب النزعة الأنانية التي كانت تسيطر عليه، والالتزام بالمعايير والقيم والأنماط السلوكية المقبولة اجتماعيا.

في ظل النظم المستبدة يتخلى الكثير من البشر عن بعض الطباع التي تميزهم عن غيرهم من الكائنات. فكل إنسان من هؤلاء يتحول من إنسان طبيعي اجتماعي يسعى إلى تحقيق مصالحه في إطار المصالح العليا للجماعة ككل إلى إنسان "غير طبيعي" ينصب الاهتمام الرئيسي له على تحقيق واحد من الهدفين التاليين أو الاثنين معا. الأول هو اختراق الدائرة المحيطة برأس الدولة والانضمام إلى الفئة أو النخبة "المحظوظة"، في نظره، بالقرب من السلطة وما يستتبع ذلك من مزايا عينية ومادية ومعنوية كالمكافآت والهدايا أو عضوية مجالس إدارات شركات أو بنوك أو رئاسة مصالح عامة أو تقلد مناصب تنفيذية أعلى أو ما شابه. أما الهدف الثاني فهو النظر إلى علاقاته مع غيره من الناس، أو المصلحة التي يعمل بها، على أنها مجال لتحقيق مكسب مادي ما أو مصدر للتربح السريع ولو على حساب الغير، ويترتب على هذا انتشار الكثير من مظاهر استغلال النفوذ والمخالفات المالية والإدارية ومحاباة الأقارب والمحسوبية والرشوة، بل وتهريب الأموال والاتجار في الممنوعات، وذلك في كثير من قطاعات المجتمع وعلى كافة المستويات بدءاً من أصغر مصلحة حكومية، مروراً بالجامعات والمؤسسات التعليمية ومجالس الإدارات المختلفة، وانتهاءً بالوزارات والهيئات العليا.

تلك الآفة تؤدي بجُل أفراد النخب، وعامة الناس على حد سواء، إلى عدم الإكثراث بما يدور حولهم من قضايا وما تعانيه مجتمعاتهم من مشكلات، فكل ما يشغل كل فرد منهم هو مصلحته الذاتية الآنية والمستقبلية فقط، أما ما عدا ذلك فلا يلقى أدنى اهتمام، ولا يحرك ساكناً عنده، بل ويصبح الشخص الذي يهتم بالقضايا العامة أو مصالح الجماعة، محل نقد وسخرية واستغراب. وتكاد كلمات وعبارات مثل "القيم"، "المعايير"، "الأنماط السلوكية"، "المصلحة العامة"، "العمل العام" أن تختفي من الأنساق القيمية وأنماط التفكير السائدة بين الكثير من الأفراد والجماعات.

ولذا صار لسان حال كثير من الناس - من النخبة والعامة، النابهين والمتعلمين، والجهلة والمُغيبين على حد سواء - هو القول "أنا مع الحكومة" للتعبير عن عدم معارضة من في الحكم والبعد عن العمل العام أو حتى مجرد الاهتمام بالمصلحة العامة. أي أن الاستبداد أدى إلى تجريد الإنسان من مجرد التفكير بأنه منفصل عن الحكومة والدولة، وعدم إدراك أن الأصل أن يكون الإنسان - المواطن- متفاعلاً مع حكومته إنْ بالدعم إذا ما عبّرت عن آماله وأنجزت مصالحه، أو بالمعارضة والنصح إذا ما تجاهلت تلك الآمال والأهداف. فالحكومة هي وسيلة للتعبير عن مطالب الناس وهي الأداة التي تعمل على تنفيذ مصالح المجتمع بكافة فئاته وطبقاته.

وتقترن هذه الآفة في منطقتنا بسياسات حكومية تستهدف القضاء على كل أوجه المجتمع المدني حال وضع قيود على تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية أو التدخل في الانتخابات بطرق شتى، أو الحيلولة دون استقلال القضاء والجامعات وحرية الصحافة، بل والعجز عن تأمين الأمن الداخلي، والفشل في مواجهة قضايا وتحديات قد تُفضي إلى نزاعات طائفية أو عرقية، جرّاء تحويل اهتمام قوات الأمن من أمن المجتمع والمواطنين وحماية ممتلكاتهم وحرياتهم إلى أمن النظام والملتفين حوله والمستفيدين منه ولو على حساب تلاحم عناصر المجتمع أو أمن مدنه وقراه.

عندما يحدث كل هذا فإن آفات الاستبداد تكون قد أتَتْ على المجتمع بكافة قطاعاته ووصلت ليس فقط إلى الإجهاز على المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمؤسسات التعليمية والقضائية والأمنية، وإنما أيضاً إلى الإنسان وأنساق القيم والمعايير والأنماط السلوكية التي تُوجه علاقاته وسلوكياته في المجتمع.

لا يترك الطغاة ورائهم مجرد أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية متهالكة تحتاج إلى جهد كبير لإصلاحها، وإنما - وأخطر من ذلك كله- شعوباً وقد جُردت من إنسانيتها وتحتاج إلى الانتقال من جديد من حالة التجمع الغريزي والأنانية المفرطة إلى حالة المجتمع الإنساني الذي يوازن فيه الإنسان بين مصالحه من جهة ومصالح الجماعة التي يعيش بينها من جهة أخرى.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث