الخميس، 4 ذي القعدة 1438 - 27 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

شرعية حزب الوسط

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

المصريون: 8 يونيو 2009

ليس المقصود من هذه المقالة عرض المضامين المختلفة لبرنامج حزب الوسط الذي تقدم به مؤسسوه لنيل الترخيص القانوني للعمل، فالبرنامج موجود في أكثر من مكان على الإنترنت، وإنما الهدف هنا هو إلقاء الضوء على بعض الأمور ذات الصلة والتي أعتقد أنها تستحق أن تكون موضع تقدير وترحاب من كل المخلصين في هذا البلد.

فعلى الرغم من أن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى بعض الإيضاح أو الضبط من الناحيتين الموضوعية والشكلية، فإن مؤسسي الحزب نجحوا، في اعتقادي، في اجتياز معايير ثلاثة أعتبر أنها تصب في النهاية لصالح تطوير حياة حزبية سليمة في مصر. وهذه المعايير لابد أن تسبق الترخيص القانوني وأن تؤدي إليه، وهي الشرعية الشعبية والمصداقية الأخلاقية والشرعية السياسية الديمقراطية. 

أولاً: نجح مؤسسو الحزب في اجتياز معيار الشرعية الشعبية في مرحلة التأسيس، وهذه الشرعية تأتي من اتساع دائرة المؤسسين وتنوعهم. فهناك نحو 1200 مؤسس من عدة محافظات، منهم نحو 30 في المائة من النساء وعدد من الأخوة الاقباط.. كما حسم البرنامج مسألة المواطنة نهائيًا ولاسيما فيا يخص تولي الأقباط والمرأة المناصب العليا. وهذا الحسم يقيم أرضية صلبة للشرعية الشعبية في مرحلة ما بعد التأسيس، أي في مرحلة تجنيد أعضاء للحزب وتوسيع القاعدة الشعبية له. فعندها يفترض أن تكون الأبواب مفتوحة أمام الجميع، وبخاصة أمام كل من يشكك في المواطنة ودور المرأة والأقباط عند التيار الإسلامي.. كما أن إقرار اللائحة الداخلية للحزب وسيلة الانتخابات الدورية لاختيار قيادة الحزب ولفترتين فقط كحد أقصى أمر مهم في هذه الشرعية أيضًا. فهي تُرسي قاعدة تساوي فرص المشاركة وتولي المسؤولية والتداول على المناصب القيادية أمام المنتسبين للحزب. وهذه أمور في غاية الأهمية وتحول في اعتقادي (إن أحسن الحزب، بقيادته ومؤسسيه وقاعدته، التمسك بها والدفاع عنها) تحول دون أي تصارع أو خلاف مستقبلي.

ثانياً: معيار المصداقية الأخلاقية هو معيار مهم وتحتاجه أوضاعنا الحالية، بجانب شرعيته الأخلاقية والدينية. ويأتي هذا المعيار من عدم إنسياق مؤسسي الحزب وراء الافرازات السيئة للحداثة باسم الموضوعية ومقتضيات السياسة والعصر.. وأعنى هنا امتلاك هؤلاء المؤسسين شجاعة اتخاذ موقف واضح ونهائي في شأن الاهتمام بالشق الأخلاقي والقيمي الذي جاء بالبرنامج. فالسياسة، وإنْ غَلَبَ عليها اليوم الكثير من الأبعاد السلبية والقيم الهدامة، فهي في جوهرها تعني العمل من أجل الصالح العام. إن سيطرة فئات تحقق مصالحها على حساب المصلحة العامة في كثير من دول عالمنا المعاصر لايجب أن يكون مدعاة أو تبرير للتخلي عن هذه الغاية العليا للسياسة، أي العمل من أجل المصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة لفرد أو مجموعة. ولهذا فدمج البرنامج للأخلاقيات والقيم والدعوة إلى ربطها بكل برامج العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي بل وفي السياسة الخارجية أمر تحتاجه مصر بل والعالم بأكمله..

ثالثاً: أما الشرعية السياسية الديمقراطية فتستند إلى عدة اعتبارات تمثل مجتمعة ضرورات على الأحزاب السياسية العربية مراعاتها في ظل المرحلة التاريخية الحالية: 

الاعتبار الأول هو النضال السلمي والمثابرة وإدراك أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. فمؤسسو الحزب أدركوا ما كان الإمام محمد عبده يراه أهم البدع وأخطرها على المسلمين وهو اليأس من أنفسهم ومن عقيدة الإسلام واعتقادهم أن ما يمرون به من تحديات ومشكلات لا علاج له، وقال "تلك علة من أشد العلل فتكًا بالأرواح والعقول". إن عقلية اليأس وتعجيز النفس والناس معًا هي الطريق السحري لإبقاء الأمور على ما هي عليه..

الاعتبار الثاني هو إلتزام البرنامج بشكل نهائي بالأسس الجوهرية للديمقراطية، مثل أن الشعب هو الشعب مصدر جميع السلطات، الفصل بين السلطات، المواطنة، الحريات والحقوق وعلى رأسها حرية الاعتقاد الديني، سيادة القانون، التداول على السلطة، التعددية الفكرية والسياسية، حرية تشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية. ووصف هذا الحزب بأنه حزب ديمقراطي (وبقائه ديمقراطياً) يستند إلى معيارين أساسيين هما إيمان المؤسسين بهذه الأمور وممارستهم لها داخل الحزب فيما يتصل بصنع القرار الداخلي والتداول على المناصب واحترام الرأي والرأي الآخر واحترام اللوائح.. 

الاعتبار الثالث يتصل بدور المثقف وعلاقته بالسياسي. فبرنامج الحزب عبارة عن خلاصة تفاعل السياسي بالمثقف. فالخبرة السياسية للمهندس أبوالعلا ماضي ورفاقه من قادة الحزب ترتبط برؤى المفكر الراحل الدكتور المسيري، وتتأثر بأفكار الدكتور العوا والشيخين الغزالي والقرضاوي والمستشار البشري.. وإجادة المؤسسين في الإستفادة من هذا المزج بين الممارسة من جهة وبين الفكر الوسطي المعتدل في فهم الإسلام من جهة أخرى يؤدي عدة وظائف إيجابية، فقد أثمر برنامجًا سياسيًا متميزاً يتجاوز الكثير من الأمور الشائعة في مصر بعد عقود من الإستبداد والعصف بالحريات مثل التمركز على الذات وإدعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة، والسطحية في التفكير، والنظرة الضيقة في التعامل مع الشأن العام.. كما يوفر قناة سياسية شرعية لاحتواء التيار الإسلامي في الحياة السياسية المصرية.. 

الاعتبار الرابع: التوافقية والإصطفاف حول المركز في كثير من القضايا التي تحتاج إلى هذا النوع من المواقف. وهنا ثمة مواقف عدة أجاد المؤسسون في إخراجها ببرنامجهم، أولها علاقة الإسلام بالحزب التي هي علاقة المرجعية العليا للمشروع الحضاري الإسلامي الذي يتبناه الحزب.. فلا ذكر لتطبيق الشريعة في ظل بيئة سياسية قامعة ومجتمع يعاني أفراده من الفقر والجهل.. وكبديل ركز برنامج الحزب على القضايا التي تهم الناس في القطاعات المختلفة.. فإصلاح أحوال الناس في هذه القطاعات هو ما يريده الناس وهو المقصد النهائي للشريعة.. هذا فضلاً عن حسم البرنامج بشكل واضح ونهائي مسألة المواطنة كما تقدم وهي المسألة التي يرى الكثير من السياسيين والنشطاء أنها سبب معاداة الأخوان المسلمين، ولاسيما في موضوعي المرأة والأقباط..

وهناك موقف ثان اعتبره في غاية الأهمية وهو التأكيد على الطابع الجماعي لمواجهة مشكلات مصر. فتأكيد البرنامج في في أول فقرة منه على عبارة هامة - أعتقد جازمًا أنها ليست مجرد مقدمة أو ديباجة وإنما هي تعبير عن إيمان مؤسسي الحزب وقاعدته بها - وهي أن المؤسسين يؤمنون بأن "الأوطان الحرة لا تملك ترف الاستغناء عن جهود أحد من أبنائها، ولا تستطيع إهمال رأي فريق منهم. ويعتقدون أن الأمة تكون أقوى عزما وأعظم شأنا عندما تتضافر جهود أبنائها وتتعدد اجتهاداتهم علي اختلافاتهم.." والعبارة تشير إلى تواضع تفتقده كيانات وتنظيمات وأحزاب كثيرة، وإلى موضوعية يحتاجها كل من يعمل بالسياسة.. بجانب أنها تفتح الباب أمام توافق هذا الحزب مع غيره من التنظيمات والأحزاب التي تتفق في الهدف الذي هو "إقالة مصر من عثرتها الراهنة".. وهذا التوافق هو وحده الكفيل، في اعتقادي، بانجاز انتقال سلمي حقيقي نحو الديمقراطية..

وهناك موقف ثالث هو التركيز على دور الدولة في معظم القطاعات.. فهذا أمر في غاية الأهمية وينحاز إلى أهداف وطموحات الفئات العريضة من المجتمع المصري.. ودور الدولة هنا مرتبط لا بالقهر والإستعلاء أو إدعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة وإنما بوضع الضوابط والأطر ومراقبة الإلتزام بها. وحسب فهمي فإنه إذا تم ربط هذه الرؤية بضرورة إقامة مؤسسات منتخبة والتوسع في اختيار القيادات عن طريق الانتخابات فإنه يكون من المفهوم أن هذه الضوابط والأطر التي تضعها الدولة ستكون من صنع مؤسسات منتخبة وممثلة للشعب في انتخابات حقيقية.. 

أعتقد أن لدى الحكومة فرصة جيدة لإتاحة الفرصة أمام حزب حقيقي للعمل بحرية. فالآن نحن أمام حزب يعلن التزامه القاطع بالدستور ومبادئه العليا، ويضع أفكارًا وبرامج للتصدي للتحديات التي تواجهنا، ويلتزم مؤسسوه بالديمقراطية وبالتداول على السلطة. لا يجب أن تكون هذه الأمور سبباً في حرمان مصر من هذا الحزب!

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث