الخميس، 1 شعبان 1438 - 27 نيسان / أبريل 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

سلطة رابعة للانتخابات

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

يروج البعض لمقولة راح الكثيرون يصدقونها ويرددونها، مفادها أن حل مشكلات مصرأصبح مستعصيًا، وأن التغيير مستحيل. هؤلاء يخلطون بين أمرين أو نوعين من المشكلات. النوع الأول هو مشكلة النظام السياسي المصري والتي من تجلياتها المعاصرة مشكلة التوريث، وما يرتبط بها من تحديات تجاوزتها دول صغيرة في عالمنا المعاصر مثل وجود دستور ديمقراطي محترم، وتداول السلطة، والتعددية السياسية، وضمان الحريات السياسية. أما النوع الثاني من المشكلات فيدور حول تدهور معظم قطاعات الدولة من تعليم وصحة وإسكان ونقل ومياه وزراعة وصناعة وسياسة خارجية، بجانب تدهور الأخلاقيات والقيم في الشارع. 

في اعتقادي، التغيير في مصر ليس مستحيلا، بل على العكس هو ممكن وفي المدى القصير أيضًا، شريطة أن نتخلى عن هذا الخلط الضار، وأن نضع أمام أعيننا أولوية عليا هي العمل من أجل إصلاح النظام السياسي. فموقع النظام السياسي في الدولة الحديثة هو موقع المخ والعقل في جسم الإنسان. ولأنه لا يمكن تصور وجود جسم سليم وحيوي دون مخ وعقل سليمين، فإنه لا دولة حديثة بدون نظام سياسي حديث. 

ولهذا فأولى خطوات الإستفادة من الحراك السياسي الحالي ليس النضال لتعديل مواد دستورية أو سن قانون لمكافحة الفساد. فالحكومة تمتلك قدرات هائلة على الإلتفاف على المطالب الجزئية، وتعمل على تخريب كل جهود الإصلاح الفردية بكافة آليات الترهيب والترغيب. 

إن الحل، في اعتقادي، هو في التوافق حول مطلب "دستور جديد لنظام جديد" تتحدد ملامحه من القواعد المتعارف عليها للأنظمة الديمقراطية البرلمانية، ويضع ضمانات محددة لأمرين (1) إشكالية الخوف من الإنقلاب على الديمقراطية، و(2) مشكلة تزوير الإنتخابات. 

ولضمان عدم الإنقلاب على الديمقراطية، أتصور أن الدستور الجديد لابد أن يتضمن نصوصًا محددةً وغير قابلة للتعديل تضمن وجود الديمقراطية في مصر وتحافظ على استمرارها، وتساعد على تعميق ممارستها عبر السنين. ويأتي على رأس هذه المواد مادة أولى تمنع الانقلاب على الدستور والمباديء الرئيسية المتعارف عليها للديمقراطية من قبل أي جهة أو مؤسسة مدنية أو عسكرية. 

كما أن هناك ضرورة لمادة ثانية تنص على تعزيز مقومات الهُوية العربية والإسلامية باعتبارها المكون الثقافي والحضاري لكل المصريين، وعلى رأس هذه المقومات الإسلام واللغة العربية والثقافة العربية. ومادة ثالثة تضمن تمثيل كافة التيارات وعدم هيمنة فئة واحدة، أي تضمن التعددية وحرية تشكيل الأحزاب والتكتلات الانتخابية والنقابات دون قيود، والأخذ بنظام القائمة النسبية لضمان تمثيل الأحزاب الصغيرة والأقليات والفئات الضعيفة سياسيًا كالمرأة والشباب. 

أما مشكلة الانتخابات فلابد من التفكير مليًا في خيار إنشاء سلطة رابعة مستقة للانتخابات، وذلك للتأكد من تأدية الانتخابات لوظائفها الحقيقية، ولمواجهة مشكلة تزوير الانتخابات وعدم ثقة الناس في الانتخابات وشيوع ظاهرة المال السياسي. وذلك على غرار ما هو قائم في كندا والهند واستراليا والبرتغال والبرازيل وكولومبيا وفنزويلا. بجانب الاعتماد التدريجي على التصويت الإلكتروني. ففي البرزيل بدأ اللجوء إلى التصويت الإلكتروني عام 1996 بشكل جزئي ثم كان الاعتماد كليًا عليه منذ 2000. 

والسلطة الانتخابية المقترحة سلطة دائمة، ومستقلة هيكليًا ووظيفيًا وماليًا عن السلطة التنفيذية. ويمكن اقتراح الملامح العامة لها على النحو التالي: 

- يشكل المكتب التنفيذي الأعلي لسلطة الانتخابات من عدد محدد من الأعضاء (أحد عشر عضوًا مثلا) على أن يكون منهم على الأقل خمسة قضاة من القضاة الحاليين والمتقاعدين. 

- يعين أعضاء المكتب التنفيذي من خلال تصويت البرلمان المنتخب. ومن الممكن اعتماد أسلوب المسابقة لاختيار أعضاء هذا المكتب أو اعتماد آلية ترشيح خبراء في السياسة والقانون وشخصيات عامة مشهود لها بالنزاهة والحياد. 

- تقوم هذه اللجنة بتعيين خبراء وموظفيين عموميين للعمل في هذه السلطة بشكل دائم مع ضمان التنوع وتمثيل الفئات الضعيفة في المجتمع، وذلك حتى تكتسب السلطة ثقة الجميع. 

- مهمة هذه السلطة الرابعة إجراء كل الانتخابات التي تجرى في مصر بدءًا من انتخابات عمد القرى مرورًا بانتخابات النقابات والأحزاب والأندية والاتحادات الطلابية وانتهاءً بالانتخابات البرلمانية وانتخاب رئيس الدولة. مع خضوع أجهزة الأمن لهذه السلطة أثناء الانتخابات. 

- تتولى السلطة إنجاز كافة مهام كل عملية انتخابية في كافة مراحلها قبل وأثناء وبعد يوم الانتخاب، ومن أبرز هذه المهام: تسجيل الناخبين وإعداد قوائمهم، تلقي طلبات التشريح، الإعداد ليوم الانتخابات، إجراء الانتخابات والإشراف عليها، وإعلان نتائجها. 

- تضم السلطة محكمة انتخابية من قضاتها الخمس، تتولى مهام مثل تلقي الطعون والشكاوى والنظر فيها والفصل فيها بأغلبية ثلاثة أعضاء. ويمكن وضع نظام بديل لهذه المحكمة الانتخابية بإخضاع قرارات هذه السلطة إلى المحكمة الدستورية العليا. 

- تسند إلى هذه السلطة مهمة الترخيص القانوني للأحزاب والنقابات، وكذا الإشراف على تمويل الأحزاب وتمويل الحملات الانتخابية ومراقبتها، وذلك حسب قانون لتمويل الانتخابات يتم سنه بالبرلمان لتحييد المال الانتخابي إلى حد كبير وضمان نزاهة الصوت الانتخابي. ولإعداد هذا القانون الأخير لابد من الإطلاع على تجارب الدول الأخرى والإستفادة منها، والاعتماد على التصويت الإلكتروني بشكل تدريجي. 

- تقوم السلطة في الفترات التي تتخلل الانتخابات المختلفة بأعمال ذات صلة مثل تسجيل الناخبين الجدد وتجديد القوائم، وإعداد الوثائق والمستندات الإرشادية، وتقديم الإستشارات للمواطنين والمرشحين، وإجراء استطلاعات الرأي، وتوعية المواطنين وتقديم دورات توعية سياسية وبناء القدرات السياسية. 

- يُصرف على السلطة من بند محدد يخصص لها في الميزانية العامة للدولة، وتخضع ميزانيتها السنوية لرقابة البرلمان المنتخب. ويتم حظر تلقي أعضائها الهدايا والمنح التي لها علاقة بوظيفتهم وكذا حظر القيام بأعمال تجارية أو مالية مع مؤسسات الدولة. 

- الحياد السياسي لكل أعضاء السلطة وذلك من خلال حظر انتماء أي عضو أو موظف فيها إلى أحد الأحزاب أو التيارات القائمة في البلاد، وحظر اشتراكهم في التصويت أو الترشح للمناصب التي يتم الاختيار فيها بالإنتخاب، وذلك طوال فترة توظيفهم في السلطة الإنتخابية. 

- يتلقى البرلمان بصفة دورية تقارير مالية وإدارية عن أعمال السلطة عن كل انتخابات تشرف عليها، ويراقب البرلمان المنتخب أعمال سلطة الانتخابات بصفة دورية ويحاسب أعضائها عن أعمالهم. 

إن حركة التاريخ تشير إلى أنه من الممكن تعلم الدرس وتحقيق التغيير المنشود. فالأمر يحتاج فقط إلى تذكر الأولوية العليا المشتركة وعلو الهمة وامتلاك إرادة التغيير ثم العمل الدوؤب من أجل انجازه.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث