الأثنين، 4 رمضان 1438 - 29 أيار / مايو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

تأميم المجال العام

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

ربما عنوان هذه المقالة يلخص بشكل جيد حالة الحكومة المصرية والقوى السياسية التي ترفع شعارات الإصلاح والديمقراطية. كلمة "تأميم" استعرتها من كتابات أستاذنا الدكتور سيف عبدالفتاح في معرض حديثه عن ما أسماه "تأميم الدين"، أما "المجال العام" فهو مستمد من كتابات المفكر الألماني هابرماس الذي تحدث عن أن جو النقاش الحر الذي ساد في المدن الأوروبية منذ القرن الثامن عشر أدى إلى تداول الآراء وتشكيل المواقف إزاء القضايا المحورية التي تهم الناس فإلى نمو الديمقراطية.

في مصر تثبت الأحداث أن الحكومة استطاعت بمهارة فائقة "تأميم المجال العام"، بمعنى أن الحكومة هي التي تحدد معظم الموضوعات التي يتناولها المثقفون والسياسيون والأهم القوى السياسية التي ترفع شعارات الإصلاح. ومن هذه الموضوعات المكررة موضوع التغيير الوزاري، فبعد شهور من الحديث عن تغيير وزاري وشيك وبعد تداول عشرات الأسماء المرشحة لمناصب وزارية، انتهى الأمر إلى تغيير وزير واحد جديد وتعيين آخر في مكان شاغر منذ شهور. وهذا الحدث يتكرر كل سنة تقريبًا، وفي كل مرة تراق الأحبار وتظهر التحليلات السياسية وتذاع البرامج الفضائية، وفي كل مرة –وللأسف- ينتظر العشرات وربما المئات من مثقفي مصر وأساتذة الجامعات تعيينهم في مواقع وزارية أو ما شابه..

وهناك أحداث أخرى تتفاوت أهميتها كالحديث عن جدوى السندات الشعبية، أو مصير الضريبة العقارية، أو المسؤول عن كوارث القطارات أو العبّارات أو الانهيارات أو حتى عن أزمة القمامة. وحتى في القضايا الجنائية مثل مقتل شخص هنا أو هناك، أو اتهام شخص هنا أو هناك بقضايا اختلاس أو تهرب، يسمع المصريون في شأنها الكثير من الأمور المتضاربة والتحقيقات ومذكرات النيابة ثم تنتهي الأمور أو لا تنتهي وتظل هناك الكثير من علامات الاستفهام.

ولشهور وسنوات اهتم المصريون بكادر المعلمين وكادر الأطباء وكادر العاملين بالضرائب وبجودة أساتذة الجامعات. وكلها أمور لم يتم الانجاز فيها بالشكل الذي يرضي أصحابها (ولن يتم)، وإنما على العكس تم تجييرها لمصلحة السلطة ولمصلحة السيطرة على المجال العام وإلهاء المصريين عن قضيتهم الأم..

لهذا النوع من التأميم – الذي اعتبره مُدبّرا ومقصودا - الكثير من الآثار السلبية، فهو يؤدي إلى تسخير الكثير من المهنيين والمثقفين وأساتذة الجامعات أنفسهم في خدمة السلطة أو في خدمة كل من يعتقد هؤلاء أن بيدهم المساهمة في اتخاذ القرار بتعيين وزير هنا أو هناك. ولاشك أن هذا يؤثر بالسلب على الأداء المهني لهذه الفئة إذ هي – في الغالب -تتبوؤ مواقع المسؤولية في كثير من المصالح الحكومية والجامعات بحكم قاعدة التعيين المتبعة.. بجانب أنها تفسد النخب وتخلق فئة من الناس تُحسب على النخبة الفكرية والسياسية والمثقفة غير أنها لا تقوم بالدور الذي يفترض أن تقوم بها النخب من التعبير عن مطالب فئات المجتمع والمساهمة في تنوير الشعب وتوعيته وقيادته نحو التغيير. وبالمقارنة قاد المثقفون وأساتذة الجامعات والطلاب حركات التغيير في شرق أوربا وفي جنوب شرق آسيا..

كما أن السيطرة على المجال العام يوجه أقلام الصحفيين والمحلليين السياسيين وبرامج الفضائيات إلى مناقشة أمور وهمية ليست ذات فائدة على القضية المركزية لمصر. وهذا بالطبع يأتي على حساب إتاحة المجال العام لنقاش أكثر جدية وعمقًا حول القضايا المحورية والجادة. وفي حالات أخرى في أمريكا اللاتينية وآسيا كان الإعلام في صدارة العاملين على كشف عورات الإستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان الأمر الذي عجّل بسحب الشرعية عن النخب الحاكمة وتمهيد الطريق أمام التحول الديمقراطي..

وتزداد الأمور سوءًا عندما تخوض القوى السياسية في جدل عقيم ومناقشات لا طائل من ورائها حول أمور كثيرة فيفتحون ما تبقى من المجال العام أمام الكثير من القضايا التي لا تحتمل بطبيعتها الحسم في ظل أجواء الاستبداد وقمع الحريات والشكوك المتبادلة بين القوى المختلفة. كما أن اهتمام بعض القوى ببعض القضايا الجزئية أو الفئوية لم يعد له عائد يذكر في ظل القدرات المتنامية للسلطة على الإلتفاف حول هذه القضايا. فكلنا يذكر أن القوى السياسية ظلت لسنوات تنادي بتغيير الدستور دون أن يتم ذلك في إطار حركة سياسية موحدة وباستراتيجية محددة، إلى أن أخذ الرئيس مبارك زمام الأمر وعدل الدستور على النحو الذي يريده هو. كما لم يستطع أي حزب أو قوة سياسية أن تستغل مئات التحركات الاحتجاجية منذ تعديل الدستور وبلورة مطالبها في مطالب وطنية جامعة..

آن الأوان في مصر للتركيز على قضية واحدة مركزية. والقضية المركزية والأولوية القصوى لابد أن تكون بناء توافقات سياسية لتحقيق هدف محدد هو: "كسر احتكار السلطة من قبل الحزب الحاكم وانجاز الانتقال الحقيقي إلى الديمقراطية". أي تأسيس نظام سياسي ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة الكاملة وحكم القانون، ويتيح للجميع أجواءً صحية للنقاش والتفاعل والتنافس من أجل تحقيق المصلحة العامة. عندما نحقق هذا يمكننا طرح برامجنا السياسية والايديولوجية المختلفة، ويمكننا إجراء نقاشات حرة وتحديد مواقف محددة إزاء القضايا الخلافية، ويمكننا التنافس عبر صندوق انتخابات حر ونزيه وفعّال..

والتركيز على هدف مشترك واحد (هدف وطني جامع) وتأجيل بقية الأهداف وتأجيل التنافس الايديولوجي وارتفاع قادة العمل السياسي والأهلي والحقوقي والإعلامي والثقافي إلى مستوى المسؤولية أمور حدثت في منطقتنا العربية من قبل عندما تكتلت كافة فئات المجتمع ضد المستعمر وناضلت من أجل الإستقلال.

ونفس الشيء (التوافق حول هدف وطني جامع وتأجيل التنافس الايديولوجي) حدث في حالات كثيرة من حالات الانتقال الديمقراطي الناجحة. ففي بولندا كان الهدف اقرار التعددية السياسية وكسر احتكار الحزب الشيوعي للحكم، وفي جنوب افريقيا كان الهدف الحصول على المواطنة الكاملة في ظل نظام ديمقراطي يسع الجميع، وفي جنوب كوريا والبرازيل كان الهدف اجراء انتخابات ديمقراطية للرئاسة وكسر احتكار العسكريين للسلطة، وفي اسبانيا كان الهدف الوصول إلى الملكية الدستورية البرلمانية، وفي تايوان وبنين ومالي والسنيغال والموزبيق ومنغوليا ومالاوي وكينيا وغيرها كان الهدف هو تبني التعددية السياسية الحقيقية وكسر احتكار السلطة.. وفي معظم هذه الحالات وفي غيرها من الحالات ظهرت أحزاب سياسية "ديمقراطية" وظهرت "تكتلات ديمقراطية" من أجل هدف مشترك واحد هو الانتقال إلى الديمقراطية وإقامة حكومات منتخبة ومسؤولة ويمكن محاسبتها، وذلك مع بقاء الاختلافات الايديولوجية بين تلك الأحزاب. التغيير ليس مستحيلا.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث