الجمعة، 28 رمضان 1438 - 23 حزيران / يونيو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون إلى أين تتجه السلطة في مصر؟

إلى أين تتجه السلطة في مصر؟

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

إلى أين تتجه السلطة في مصر؟ – د. عبدالفتاح ماضي - المصريون ديسمبر 2006

أثارت إحدى جلسات اللقاء السنوي للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية الذي انعقد في مدينة فيلادلفيا الأمريكية في سبتمبر الماضي مناقشات مطولة حول الفرق بين مبدأ "حكم القانون" – أحد المبادئ الرئيسية التي تستند إليها النظم الديمقراطية المعاصرة – وآلية "الحكم بالقانون" الذي اعتاد عليها الكثيرون من الحكام في العالم الثالث. الفارق بين الاثنين يميز -في اعتقادي- بين "الدولة المعاصرة" (أي أحدث صور المجتمعات البشرية التي عرفها البشر على الكرة الأرضية)، وما أسميته "الدولة المنكوبة" أي المجتمع التي يسمى "دولة" لكن دون أن تتوفر فيه السمات الرئيسية للدولة المعاصرة (المصريون: 3 أكتوبر 2006). لم يكن القصد بالطبع تقسيم العالم إلى نوعين اثنين على نهج تفكير الثنائيات الخاطئ. فالهدف هو إظهار ما يجب عمله نحو الوصول إلى صورة الدولة المعاصرة وإيضاح المسافة الفاصلة بين دولة المؤسسات التي يحكمها سياسيون يستندون إلى مبدأ سيادة القانون ويعملون للصالح العام، وبين "دولة" الأشخاص الذين "يتحكمون" بالقانون وأجهزة الدولة الرسمية لتحقيق مصالحهم الشخصية ومصالح فئة صغيرة مستفيدة ...

هناك بالطبع مجتمعات بين الصورتين، ففي بعضها تتقدم السلطات الحاكمة نحو صورة الدولة المعاصرة بالإسراع نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات، وفي بعضها الآخر يتراجع الحكام إلى الوراء وتصب أفعالهم دوما في صالح ضمان استمرار سيطرتهم على المجتمع والعمل على تحقيق مصالحهم الذاتية ومن ثم معاداة الكثير من فئات المجتمع. وهؤلاء يستخدمون في ذلك أساليب تبدو شرعية وسلمية كالقانون والانتخابات والبرلمانات. في مصر، هناك عدة مظاهر تبدو معها السلطة الحاكمة وكأنها تتراجع وتبتعد عن الطريق الموصل إلى صورة الدولة الحديثة، أبرزها وأكثرها تأثيراً في كيان الدولة وفي تماسك فئات المجتمع هو تضاؤل دور السلطة السياسية وازدواجية تلك السلطة في تعاملها مع القضايا والتحديات التي تواجه أعضاء المجتمع.

إن من مهام السلطة في الدولة المعاصرة تحقيق الأمن والهدوء والرفاهية لكافة فئات المجتمع بغض النظر عن اختلاف الأصل أو الديانة أو المكانة الاجتماعية، أي ما يسمى "الضبط الاجتماعي"، وذلك وصولاً إلى تحقيق تماسك وترابط أعضاء المجتمع وتخليص المجتمع من كافة أشكال الصراع العنيفة التي تهدد استمرارية المجتمع ككل، أي تحقيق "التكامل الاجتماعي". وتُحقق السلطة تلك المهمة من خلال وظيفتين رئيسيتين، الأولى هي وضع المعايير المنصفة التي تُوجه سلوك الأفراد والجماعات بما في ذلك الحكومة ذاتها -أي القيم والقوانين والقواعد- وذلك بمشاركة قوى المجتمع المختلفة من أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ورأي عام وغيرها. أما الوظيفة الثانية فهي تحقيق أمن المجتمع بمفهومه الواسع، أي تخليص المجتمع من أسباب التصادم وعدم الاستقرار عن طريق عدم ممارسة أي سياسات تمييزية ضد أي فئة من فئات المجتمع، ومنع تدخل أجهزة الدولة الأمنية والإدارية لحماية النظام ذاته والمستفيدين منه بدلاً من أمن المجتمع ومدنه وقراه. فأين السلطة في مصر من هذا؟

الشاهد أن أغلبية الشعب المصري صارت تدرك أن القوانين والمعايير التي تضعها السلطة تعبر عن مصالح النخبة الحاكمة ومن سار في ركابها فقط، وأن السلطة تصر على قاعدة السيطرة والإنفراد والتحكم في كل شيء بمفردها، مستخدمة في ذلك أساليب الترغيب والترهيب في تعاملها مع الناشطين السياسيين والقضاة وأساتذة الجامعات والصحافيين والنقابيين. فالسلطة تنفرد وتُصر، دوماً وبعناد شديد، على تمرير ما تريده في شأن جُل القطاعات، ولعل أبرز الأمثلة هنا ما فعلته السلطة إزاء قانون السلطة القضائية أو فيما يتصل بالنقابات المهنية وقانون الصحافة، وذلك دون اهتمام برؤى أصحاب الشأن أنفسهم من قضاة وصحافيين ومهنيين، أو للمعايير الدولية أو حتى لتجارب دول أخرى. وهي تحاول الآن سن قوانين أخرى في شأن الوظيفة العامة والتعليم العالي وغيرهما...

كما يدرك الشارع أن السلطة فشلت في تنظيم الكثير من قطاعات المجتمع ووقفت ضد رغبات الناس وأصرت على مشاريع مشبوهة قامت بها وزارة الزراعة لعدة سنوات، ثم هي الآن تشرع في بيع شركات صناعة الدواء المصري وتتحدث عن السماح لشركات أجنبية بالسيطرة عليها برغم تحذير الكثير من مغبة هكذا عمل على صناعة الدواء ومئات الآلاف من الصيادلة والصيدليات. وباعت شركات الأسمنت، وتتحدث عن بيع شركات مياه الشرب للأجانب، كما عجزت السلطة عن مواجهة العمليات الاحتكارية التي يقوم بها المستثمرون والتي تضر المستهلكين برفعها للأسعار دون رقابة أو محاسبة. ووصل قطار الخصخصة إلى البنوك القومية عصب الاقتصاد القومي وإلى كبرى شركات القطاع العام بلا تفكير في عواقب ذلك على المصريين واقتصادهم...

هذا إلى جانب تدهور حال التعليم الأساسي والعالي ومحاربة اتحادات الطلاب ونوادي أعضاء هيئات التدريس وتدني ميزانيات البحث العلمي. أما قيم المجتمع ولغته العربية وأخلاقيات الشارع المصري فقد وصلت إلى أدنى مكان لها في ظل غياب شبه تام لأجهزة الدولة في نشر القيم والحفاظ على اللغة العربية وتقديم القدوة الحسنة للشباب، ومكافأة المحسنين الغيورين على وطنهم ومعاقبة المسيئين المتطاولين على قيم المجتمع وأخلاقياته. ناهيك عن تدني الخدمات والأعمال التي تقوم بها الكثير من أجهزة الدولة، فصار من المألوف سماع أخبار تلوث مياه الشرب والنيل والأطعمة وتهالك شبكات الصرف الصحي وقطارات السكة الحديد، بل وعجز السلطة عن تنظيم قطاع النقل العام والخاص، وعن تنظيم العلاقة المالك والمستأجر. أما عن سياسة مصر الخارجية فتكفي الإشارة إلى الأدوار الباهتة لمصر في مشكلات تتصل كل واحدة منها بالأمن القومي المصري بشكل مباشر مثل: الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ودارفور وجنوب السودان وحوض نهر النيل ولبنان.

والشاهد أيضاً أن المعايير والسياسات التي تتخذها السلطة لا يمكن وصفها بأنها منصفة لكل فئات المجتمع، أي لا تُميز ضد فئة أو جماعة لأهداف سياسية أو تحكمية. فإذا كانت السلطة تدعي أنها تمارس الديمقراطية وتضمن حرية التعبير، فلا يمكن لها أن تعادي جموع القضاة وتتهمهم بالخلط بين وظيفتهم القضائية والعمل السياسي لمجرد أنهم رصدوا انتهاكات وعمليات تزوير في انتخابات كانت تحت إشرافهم المباشر. كما لا ينبغي لها أن تقف بالمرصاد لجماعة الأخوان المسلمين وتتهمهم بخلط الدين في السياسة وذلك لمجرد أنها ترى أنهم يشكلون منافساً حقيقياً لها الآن أو في المستقبل. كما لا يمكن للسلطة أن تعرقل ظهور حزب الوسط ذي المرجعية الإسلامية المعتدلة، فتحرم البلاد من وجود تيار سياسي إسلامي وسطي يقوده أناس معتدلون يهمهم الصالح العام في المقام الأول، وتُبقى التوترات الناتجة عن حرمان التيار الإسلامي من أي تمثيل قانوني، بل ولتتأخر مصر عن غيرها من الدول العربية المجاورة حيث ظهرت أحزاب إسلامية معتدلة في دول مثل المغرب والأردن واليمن وفلسطين. ولا يجب أن تضع السلطة العراقيل أمام عمل الهيئات والنقابات والاتحادات، فتحرم الدولة من كفاءات وخبرات واسعة، فنقابة مثل نقابة الأطباء أو نقابة المهندسين تضم الواحدة منها مئات الآلاف من الأعضاء وتمثل مستودعاً للعقول والخبرات التي إنْ تُركت تمارس العمل العام بحرية ووُظفت للصالح العام لكانت لها نتائج إيجابية عدة على أعضائها وعلى كافة فئات المجتمع.

وازدواجية السلطة في تطبيق معاييرها وقوانينها تظهر أيضاً في عدم التزامها بمكافأة الملتزمين بالقيم والقوانين ومعاقبة الخارجين عن تلك القيم والمعايير. إن السلطة تتجاوز عن أفراد ارتكبوا تجاوزات مالية وإدارية لأنهم جزء من الحلقة المقربة من السلطة أو لا يعارضونها، وتضع أشخاصاً في مواقع مؤثرة في عملية صنع القرار لمجرد انتمائهم إلى الحلقة المقربة من رأس الدولة أو لأنهم سيروجون لكل ما تريده السلطة أو لأنهم لن يعارضوا أوامر السلطة ولن يقفوا ضد رغباتها...

إن السلطة بأفعالها هذه تتحكم بالقانون ولا تحكم به، والمعايير التي تضعها والأفعال التي تقدم عليها لا تسير بالبلاد والعباد نحو صورة الدولة الحديثة: دولة المؤسسات الدستورية، وإنما نحو استقطابات حادة، أبرزها: استقطاب بين المنادين بالإسلام كمرجعية عليا وبين غير المنادين، واستقطاب آخر بين الفقراء والمقهورين من ناحية والأثرياء المسيطرين من ناحية أخرى. وللحديث بقية.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث