الخميس، 4 ذي القعدة 1438 - 27 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات مصر العربية دروس السنوات الست للثورات

دروس السنوات الست للثورات

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

عبدالفتاح ماضي، دروس السنوات الست للثورات، مصر العربية 4 يناير 2017

مرت ست سنوات على اندلاع ثورات 2011 العربية، أرادت فيها الشعوب العربية، مثلها مثل الشعوب الأخرى، الأمن والحرية معا. وجربت هذه الشعوب خلال هذه السنوات كل طرق التغيير بدءًا من الثورات السلمية، مرورا بالاصلاح والانتخابات والعمل الحزبي والحقوقي والأهلي، وانتهاءً بلجوء البعض إلى العنف والعمل المسلح في بعض الحالات.

دروس السنوت الماضية دروس متعددة سأقف اليوم عند عدد منها يتصل بالداخل في الأساس.

أولا- لا تعارض بين الحرية والكرامة من جهة والأمن والاستقرار من جهة أخرى. فثوراتنا جلبت لنا الحرية والكرامة بعض الوقت، أما الثورات المضادة فقد ضربت دعاة الحرية والكرامة، وفشلت في تحقيق الأمن والإستقرار بل وفرطت في الدم والأرض وقسّمت المجتمعات وأشعلت الصراعات الصفرية.

ثانيا- لا تُلام الشعوب على خروجها إلى الميادين، فالثورات عمل حتمي تُدفع لها الشعوب دفعا ولا تختارها. لقد أغلقت أمام الشعوب كل طرق التغيير السلمي والتدريجي، وفشلت أنظمة ما بعد الإستقلال في تحقيق كل الأهداف التي تشدقت بها بدءا من تحرير فلسطين ومرورا بتحقيق التنمية والعدالة وانتهاءً بأبسط وظائف الإدارة المحلية من تنظيم المرور وجمع القمامة. واليوم تفشل الثورات المضادة بشكل مضاعف في كل الملفات الحيوية كالاقتصاد والسياحة والأمن والتعليم والصحة، هذا ناهيك عن تأميم السياسة. ولهذا فمسألة خروج الشعوب مرة أخرى للميادين مسألة وقت إذا استمرت هذه الأوضاع الحالية.

ثالثا- الثورة ليست غاية في حد ذاتها، وهي ليست أفضل الطرق لتحقيق التغيير السياسي، لكنها تفشل بفشل القوى التي تدافع عنها وبإنقساماتهم وعدم قدرتهم على وضع مشروع متماسك يعبر عن مطالب الجماهير. وكما أن الطغيان صناعة تحتاج إلى إرادة وتدبير وتخطيط ورؤى وقوى تتكتل من أجل بنائه والدفاع عنه، فإن الحرية والكرامة صناعة أيضا تحتاج إلى إرداة وتدبير وتخطيط ورؤى وقوى تتكتل من أجلها.

رابعا- الشعب صار جزءا من المعادلة، الثورات أدخلته في هذه المعادلة ولن تنجح الثورات المضادة في إبعاده برغم كل ما حصل، فالمعتقلات والمنافي بها عشرات الآلاف في صفوف الثورة، وهناك الملايين الذين يلوذون بالصمت في كافة قطاعات الدولة والمجتمع، ومن هؤلاء وهؤلاء آلاف لديهم القدرة على قيادة أوطانهم. وفي مصر تحديدا أثبتت الانتخابات الشكلية التي أجريت منذ 2013 أن الغالبية من جموع الشعب لم تنطل عليها تدابير الثورة المضادة، كما أن بيع الأرض وانتهاكات حقوق العمال والأطباء والصحفيين وغيرهم أخرجت عشرات الآلاف في تظاهرات بينما خلت ميادين الثورة المضادة من ظهيرها الشعبي المتلاشي.

خامسا- التغيير تقوم به نسبة صغيرة من الشعب بشرط أن تمتلك رؤية للمستقبل وأدوات التغيير وبشرط أن يعبر عنها قوة أو قوى منظمة. أما انتظار أن يتغير الشعب كله أو معظمه أو تتغير ولاءات الفئات المؤيدة للنظام (والتي تفتح لها أبواب الإعلام بينما يتم قمع كافة الأصوات المعارضة) فأمر لا طائل من ورائه. وفي مصر تمثل الشريحة التي لازالت تؤيد النظام (كما كتبت سابقا) الفئات المستفيدة من النظام أو الفئات التي تعرضت لعمليات غسيل مخ ممنهجة. ومعظم هذه الفئات لم تكن يوما مع التغيير، وبالتالي على قوى التغيير الاهتمام بصفوفها من الداخل والكف عن انتظار تغير الآخرين.

سادسا- أكدت السنوات الست أن المشكلة الأم في مصر وغيرها من الدول العربية هي في طبيعة السلطات المتحكمة التي تقوم على الاستبداد، وسيطرة الأجهزة الأمنية، وإقصاء المخالفين في الرأي، وقمع الحريات، وحماية الفساد، وغياب أي معايير للثواب والعقاب، وتقنين الاستثناءات والامتيازات، وخلق وظائف طبقية وطائفية، وضياع كل قيم الشفافية والعدالة والمحاسبة، والسيطرة على مؤسسات الدولة وتسييسها وتوظيفها في خدمة النظام، وإهمال التعليم والثقافة، وسحق كرامة الإنسان، والاستخفاف بكل التداعيات السلبية لهذا النمط من الحكم على المجتمع بقيمه ومؤسساته وقواه.

لا أمل في التغيير إلا بمعاجلة المشكلة الأم وربطها بكل المشكلات الأخرى. سنكون في بداية طريق التغيير الحقيقي عندما نسقط أسلوب تجزئة القضايا وإلهاء كل قطاع بمشاكله الخاصة، وعندما نعرف طريقنا من جديد نحو التضامن المشترك، أي عندما تحتج نقابة الأطباء على مقتل أحد العمال في المحاجر، وينتفض القضاة غضبا من انتهاكات الشرطة في الجامعات والسجون، ويتظاهر الطلاب وأساتذة الجامعات احتجاجا على قمع العمال، وهكذا.

سابعا- أوضحت الثورات والثورات المضادة أن المعركة ضد الإستبداد معركة الجميع، وأن لا حرية لفصيل دون الآخر. فالثورة أثبتت أهمية وإمكانية العمل المشترك لكافة التيارات الإسلامية والليبرالية والاشتراكية، بينما أثبتت الثورة المضادة أن الجميع مستهدف وأن الإزدواجية في النظر في القضايا الحقوقية والإنسانية أمر مدمر للجميع.

ثامنا- أثبتت الثورات والثورات المضادة أن للعنف تداعيات وخيمة، فالتغيير بالقوة المسلحة يتطلب توازنا أو تقاربا في القوى المادية بجانب داعمين إقليمين أو دوليين كما حدث مع عدد من ثورات التحرر. كما أثبتت أن استهداف الجماهير بالقتل والاعتقال والنفي والأحكام المسيسة لا تقضي على مطالب الجماهير العادلة مهما طال الزمان. والواقع أن النظم التي تعيش بالعنف لا تتغير إلا به. وهذه دائرة خبيثة قاتلة وعلى العقلاء داخل الدولة والمعارضة تدبرها جيدا.

تاسعا- إن مصر دولة محورية برغم تغييب دورها العربي منذ اتفاقيات كامب ديفيد. أثبتت السنوات الست أن استخفاف قوى الداخل بتداعيات أحداث مصر على المحيط العربي أمر كارثي، والواقع إن إجهاض الثورات العربية بدأ باجهاض الثورة المصرية. وأثبتت السنوات الماضية أيضا أن استخفاف القوى الإقليمية بمصر واعتقادها أنه بإمكانها اجهاض ثورتها بلا ثمن أمر كارثي وهو سبب أساسي من أسباب اختراق العالم العربي وتمدد قوى إقليمية ودولية داخله. ولهذا فإستعادة ثورة مصر مطلب مصري كما أنها ضرورة عربية ملحة.

عاشرا- أثبتت السنوات الست أن عوامل القوة في زماننا ليست محصورة في القوة المادية فقط، فقد أسقطت الأنظمة البائدة في 2011 وهي في كامل قوتها المادية، كما أثبتت أن التغيير طريق طويل وأنه من غير الممكن إحداث التغيير بلا توفر متطلباته وشروطه وأهمها ظهور تيار تغيير وطني قوي وامتلاك طليعته ونخبته القدرة على وضع الرؤى الجامعة وقيادة الجماهير والتعبير عن آمالها، فضلا عن امتلاك القدرة على إقامة التحالفات وتغير موازين القوة. لقد كان المطلوب -ولا يزال- هو بناء التوافقات الكبرى على موائد حوار شاملة حول المسائل الكبرى التي تهم معيشة المواطن، أي حول أنسب الطرق لتمكين قطاعات أوسع من المشاركة وتغيير نمط السلطة وتعزيز حكم القانون ودولة المؤسسات والمواطنة والعدالة الاجتماعية وزرع ثقافة المساءلة والمسؤولية ومواجهة الفساد والاستبداد.

وفي النهاية لا يمكن قهر الإنسان القوي صاحب الوعي المرتفع والإرداة القوية والعزيمة الصلبة والفعل الرشيد.