الثلاثاء، 29 رجب 1438 - 25 نيسان / أبريل 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات نحو سلطة رابعة مستقلة للانتخابات

نحو سلطة رابعة مستقلة للانتخابات

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، عدد 39، يوليو 2010 **

د/عبدالفتاح ماضي

أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية

www.abdelfattahmady.net

تُستخدم الانتخابات في بعض دول العالم الثالث، ومنها بطبيعة الحال دول عربية، لإعادة انتاج نفس النخب والسياسات منذ عقود لكن بواجهات ديمقراطية شكلية. فالانتخابات أضحت آلية من آليات بقاء أنظمة الحكم بدلا من أن تكون وسيلة لاختيار الحكام والتنافس السلمي على السلطة وأداة للتثقيف والتجنيد السياسيين.

لكن ليست الانتخابات في حد ذاتها المشكلة الأساسية في كثير من تلك الدول. فالممارسات السياسية - منذ الأخذ بنظام التعددية الحزبية في معظم دول العالم الثالث- راكمت الكثير من السلبيات على العملية الانتخابية على وضع أدى إلى أن فَقَدَ المواطنون الثقة في العملية الانتخابية وفي الحياة السياسية برمتها. ومن هنا فإن أي جهد يساهم في بناء ثقة المواطن العربي في الانتخابات وفي ممارسة السياسة لابد أن يُرحب به وأن يخضع لنقاش جدي من الأكاديميين والنشطاء السياسيين.

تحاول هذه المقالة طرح بعض الأفكار للمناقشة عبر تناول تجارب بعض الدول وخاصة في أمريكا اللاتينية والهند في إدارة الانتخابات، وتقدم مقترحًا لإنشاء سلطة جديدة مستقلة للإنتخابات. والهدف هنا هو إظهار أن هناك بدائل ممكنة لتدخل السلطات التنفيذية في الانتخابات، وأنه من الممكن تنظيم وإدارة الانتخابات بشكل شفاف وعلى وضع يحقق مقاصدها الأصلية. وعلى القوى الوطنية الهادفة إلى تعزيز مساعي الديمقراطية تعميق الحوار في شأن تلك البدائل وطرحها ضمن برامج الإصلاح السياسي واستخدامها في بناء ثقة المواطن بالسياسة .

الانتخابات أحد أركان الديمقراطية:

لا تعني الديمقراطية الانتخابات فقط، ولايجب أن تبدأ الديمقراطية بالانتخابات. فالانتخابات -كما قال أستاذ العلوم السياسية روبرت دال- ذروة الديمقراطية وليست بدايتها.[1] وهي أحد أركان العملية الديمقراطية التي تحتاج أولا إلى دستور ديمقراطي حقيقي يُرسي قاعدة حكم القانون والمساواة أمامه واستقلال القضاء بدلا من الإرتجالية والعشوائية في الحكم والتحكم بالقانون لتقييد الحريات، وتتطلب ثانيًا ضمانات لتحقيق التنافس والتداول على السلطة والفصل بين هيئاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية بدلا من احتكار فئة واحدة للسلطة والتداخل الضار بين هيئاتها، وتستلزم ثالثًا ترسيخ مبدأ المواطنة بدلا من التمييز بين الناس وحرمان الكثير منهم من أبسط الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية وإقصاء فئات بعينها عن العملية السياسية.

والانتخابات الديمقراطية تمثل آلية من أبرز الآليات التي تعمل على إقامة أركان الديمقراطية تلك، وليست هدفًا في حد ذاتها. ولهذا فالانتخابات الفعّالة هي التي تقوم بعدد من الوظائف المحددة، منها تطبيق مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة في الواقع الفعلي عن طريق إتاحة الفرصة لجمهور الناخبين لاختيار حكامهم وممثليهم في مؤسسات الحكم. كما تعد الانتخابات أداة سلمية لتسوية الصراعات السياسية، وللتنافس والتداول السلمي على السلطة، وهي أداة لتجديد شرعية الحكام ومحاسبتهم، وهي إحدى وسائل تجنيد الكوادر والقيادات وتثقيف الجماهير.[2]

وتكتسب إدارة الانتخابات، على وجه الخصوص، أهمية قصوى لعدد من الاعتبارات. فهناك أولا أهمية الوظائف التي تقوم بها الانتخابات بالنسبة للعملية الديمقراطية ككل. هذا بجانب تدخل الكثير من حكام العالم الثالث في إدارة الانتخابات واستخدامهم لها كواجهة شكلية لأنظمتهم السياسية الشمولية أو التسلطية إمّا لكسب الشرعية أو لدفع ضغوط داخلية أو خارجية أو للإثنين معا. ومن هنا كان الاهتمام الدائم بتطوير إدارة الانتخابات وظيفيًا وهيكليًا، وفي جميع مراحلها. ومن أهم التطورات التي شهدتها إدارة الانتخابات أمران رئيسيان، هما: وجود سلطة مستقلة للانتخابات، والإستفادة من تكنولوجيا الإتصال والإنترنت في التصويت.

إدارة الانتخابات:

يُعد حياد الجهة التي تشرف على الانتخابات أحد أهم معايير نزاهة الانتخابات الديمقراطية، من الناحيتين الوظيفية والهيكلية. فمن الناحية الوظيفية، تعمل الإدارة المشرفة في إطار النظام القانوني السائد. ولذا فإن التأكد من معاملة كل الناخبين وكل المرشحين وفقا للقانون ودون أدنى تمييز على أساس اللغة أو العرق أو الأصل أو المكانة الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي أو الدين أو النوع يُعد من أبرز مهام تلك الإدارة.[3] وتكتسب الإدارة المشرفة ثقة المواطنين من خلال الالتزام بالحياد السياسي والحزبي، والبعد عن أي تصرفات قد يُفهم منها تغليب مصالح فئة ما أو حزب سياسي معين، مثل قبول هدايا، أو الإعلان عن مواقف سياسية محددة، أو الخوض في نشاطات ذات صلة بأحد الجهات المتنافسة، وغير ذلك.[4]

وتعمل اللجان المشرفة في الديمقراطيات المعاصرة بشكل يتسم بالدقة والشفافية، من خلال التأكد من صحة البيانات والمعلومات التي تحصل عليها ومن صواب القرارات التي تُصدرها. كما تكون تلك اللجان قادرة على تبرير قراراتها المختلفة، وإتاحة ما قد يحتاجه الناخبون والمرشحون من معلومات وبيانات. ومن المهام التي تقوم بها اللجان المشرفة على الانتخابات أيضا تنظيم يوم الانتخابات في جميع مراحله من خلال تسهيل عملية الإدلاء بالأصوات، والتأكد من فهم الناخبين التعليمات المتصلة بحق التصويت، والعمل على مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة مثل كبار السن والمعاقين والأميين.[5]

ومن الناحية الهيكلية يرتبط الحياد السياسي بأمور ثلاثة، هي: الشكل التنظيمي للإدارة المنوط بها إدارة الانتخابات، وحجم السلطة الممنوحة لها، وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية. وتقدم التجارب الديمقراطية المعاصرة العديد من الصور، فبينما تُدار الانتخابات محليًا في الولايات المتحدة مع وجود بعض القيود المفروضة من الدستور الفيدرالي، وتتبع الإدارات المحلية في كل من إنجلترا وفرنسا، فإن بعض الدول الديمقراطية تُقيم لجانًا أو إدارات دائمة للانتخابات، ومستقلة تمامًا عن السلطة التنفيذية. ففي كندا هناك لجنة دائمة للانتخابات منذ عام 1920، تخصص الدولة جزءًا من ميزانيتها لعمل هذه اللجنة، وبرغم أن الحكومة تقوم بتعيين موظفي هذه اللجنة وقت الانتخابات فقط. أما في الهند فثمة لجنة مستقلة بموجب دستور 1950، وفي استراليا هناك لجنة عليا مستقلة منذ عام 1984.[6]

ولاشك أن النماذج الأمريكية والإنجليزية والفرنسية في إدارة الانتخابات قد لا تصلح للدول حديثة العهد بالانتخابات أو التي تعاني من أزمة فقدان الثقة في الحكومات القائمة. ومن هنا ففي الكثير من دول العالم الثالث التي شهدت عمليات انتقال ديمقراطي ظهرت الحاجة إلى وجود هيئة مستقلة (أو سلطة مستقلة) للانتخابات كما حدث في عدد من الدول اللاتينية.

ومن ناحية أخرى تختلف الأشكال القائمة في الديمقراطيات المعاصرة من حيث خضوع قرارات اللجان والإدارات المشرفة على الانتخابات للقضاء. ففي دول مثل الهند واستراليا يخضع عمل تلك اللجان لنطاق عمل المراجعة القضائية (أو ما يناظر عندنا المحكمة الدستورية العليا)، حيث تستطيع المحاكم نقْض نتيجة أي انتخابات. وكبديل لهذا فإن لجنة الانتخابات في دول أخرى لابد أن تضم قضاة، ففي استراليا لابد أن يكون رئيس لجنة الانتخابات أحد قضاة المحكمة الفيدرالية سواء كان من العاملين أو المتقاعدين.[7]

التصويت الإلكتروني:

للتصويت الإلكتروني الكثير من الصور والوسائل، أبرزها استخدام آلات خاصة للتصويت بها ذاكرة تخزن الأصوات وتحولها إلى ذاكرة مركزية ليتم عدها وإعلان النتائج. كما أن هناك التصويت عبر الانترنت الذي يمكن من خلاله التصويت في أي مكان في العالم الأمر الذي يساعد الجاليات في الخارج.

ولاشك أن تكنولوجيا الإتصال وفرت إمكانات أكبر في مجال إداة الانتخابات والتأكد من نزاهتها، وذلك على الرغم من وجود عدد من المشكلات.[8] فمن جهة يحقق التصويت الإلكتروني أكثر من فائدة، فهو يقضي على ظاهرة الإفساد المتعمد للصوت الإنتخابي كما أنه يعالج ظاهرة التصويت أكثر من مرة، ففي معظم الحالات لا تقبل آلة التصويت الإلكتروني إلا الصوت الصحيح ولمرة واحدة فقط. كما أن التصويت الإلكتروني يوفر نفقات طباعة الأوراق وعقد اللجان، ومن الممكن استخدام أكثر من لغة، وهذا أمر مهم في الدول ذات التعددية العرقية واللغوية كالعراق والسودان. وبشكل عام يسهل التصويت الإلكتروني عملية العد ويضمن سرعة إعلان النتائج. كما أنه يساعد أصحاب الاحتياجات الخاصة وكبار السن، ويساعد في عمليات التوثيق واسترجاع المعلومات لأغراض المتابعة والتطوير أو البحث والتحليل. ولا شك أن هذه المزايا تنعكس بالإيجاب على بناء ثقة الناخب في العملية الانتخابية وتعزز فرص المشاركة السياسية.

ومن جهة أخرى لا تزال هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى معالجة في التصويت الإلكتروني كالأمور المتصلة بالأمن وضمان عدم التلاعب بآلات التصويت أو اختراقها، هذا فضلا عن هذا النوع من التصويت لا يقضي تمامًا على ظاهرة شراء الأصوات، وذلك على الرغم من تطوير وسائل لإخفاء هوية الناخب وتفضيلاته بمجرد التصويت.

وتستخدم الكثير من الدول التصويت الإلكتروني عبر الآلات الخاصة أو عبر الأنترنت، منها دول مثل كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والإتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا وانجلترا وبلجيكا واستراليا وايرلندا والهند وفنزويلا واستونيا ورومانيا والبارغواي والإكوادور. وفي البرازيل بدأ اللجوء إلى التصويت الإلكتروني بشكل جزئي مبكرًا (1996)، ثم كان الاعتماد عليه كليًا منذ 2000.

مقترح بإنشاء سلطة رابعة مستقلة للانتخابات:

وفي السطور التالية نقترح بعض الأفكار الأولية لإنشاء سلطة مستقلة للانتخابات في الدول العربية تعمل جنبًا إلى جنب مع السلطات الأخرى التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتتمتع بالحصانة والمكانة التي تتمتع بها هذه السلطات. بالطبع نحن لا ندعو إلى تقليد تجارب الدول الأخرى، فما ندعو إليه هو الإستفادة منها في تطوير نظام إدارة للانتخابات يساعد في تأدية وظائف الانتخابات المتعارف عليها في الديمقراطيات المعاصرة، وكذا المساعدة في القضاء على المشكلات المصاحبة للانتخابات عندنا.

فمن ضمن أهداف السلطة المستقلة للانتخابات:

1. تأدية الانتخابات لوظائفها الحقيقية المشار لها سابقا بدلا من أن تُستخدم كواجهة شكلية.

2. إسناد مهمة الترخيص للأحزاب وتسجيلها للسلطة الجديدة، وكذا مهمة التأكد من ديمقراطية هذه الأحزاب من الداخل.

3. وضع آداب وضوابط ومبادئ عامة للتأكد من نزاهة الانتخابات وعدم اختراق الفاعلين السياسيين للدستور والقانون والآداب العامة للمجتمع.[9] وهذا يساعد على إعادة بناء ثقة المواطنين في السياسة بشكل عام باعتبارها عملا إنسانيًا يستهدف المصلحة العامة، ويعمل على تنحية المعاني السلبية لكلمة السياسة التي جاءت لنا من الغرب والتي تعني التنافس والصراع من أجل الحصول على مصادر القوة المختلفة من سلطة وثروة ومكانة وغيرها، وبغض النظر عن الوسائل. وأتصور هنا أن أي سلطة أو لجنة عربية للانتخابات لابد أن تجتهد في إعادة المضامين الإيجابية لكلمة "سياسة" في اللغة العربية وفي الثقافة العربية الأصيلة والتي تعني "القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه"، والتي تتضمن معان نبيلة مثل الإصلاح والتسهيل والتذليل والرعاية.

والسلطة الانتخابية المقترحة سلطة دائمة، ومستقلة هيكليًا ووظيفيًا وماليًا عن السلطة التنفيذية، وتتمتع بمكانة تشبه مكانة السلطة القضائية إلى حد كبير. ويمكن اقتراح الملامح العامة لها على النحو التالي:[10]

أولا: المهام والوظائف:

1. إدارة كل الانتخابات التي تشهدها البلاد بدءًا من انتخابات رؤساء وعمد القرى والمجالس المحلية، مرورًا بانتخابات النقابات والإتحادات والأحزاب والأندية الاجتماعية والاتحادات الطلابية والغرف التجارية، وانتهاءً بالانتخابات البرلمانية وانتخاب رئيس الدولة. وربما يمكن إضافة مواقع أخرى ليست بالانتخاب الآن كعمداء الكليات والمحافظين ومجالس إدارة الشركات المساهمة العامة وغير ذلك..

2. تتولى السلطة الانتخابية إنجاز كافة مهام كل عملية انتخابية في كافة مراحلها قبل وأثناء وبعد يوم الانتخاب، ومن أبرز هذه المهام: تسجيل الناخبين وإعداد قوائم بأسمائهم، تلقي طلبات الترشيح للمناصب المختلفة، الإعداد الفني ليوم الانتخابات، الإشراف على إجراء الانتخابات، وإعلان نتائجها وتلقي الطعون والنظر والفصل فيها..

3. المساهمة في إعداد وتطوير القوانين المتصلة بالانتخابات، وذاك بمواكبة التجارب الحديثة والإستفادة منها..

4. تلقي اخطارات إنشاء الأحزاب السياسية والتكتلات والقوائم التي ترغب في خوض العمل السياسي والانتخابات، وكذا النقابات، وإعداد قواعد بيانات خاصة بها في مركز معلومات مركزي..

5. الإشراف على مدى إلتزام الأحزاب بالدستور والقانون، وعلى ديمقراطية هذه الأحزاب في تنظيماتها الداخلية، وعلى مصادر تمويل الأحزاب وجمع التبرعات لأنشطتها..

6. إصدار الإجراءات والضوابط والآداب المتصلة بالانتخابات في كافة جوانبها، وخاصة تلك المتصلة بالإعلانات الانتخابية وتمويل الدعاية الانتخابية، وتحديد العقوبات الواجبة على المخالفين..

7. تنظيم تمويل الحملات الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، وذلك حسب قانون محدد لتمويل الانتخابات يتم سنه بالبرلمان لضمان أكبر قدر من نزاهة الصوت الانتخابي وتحييد المال الانتخابي.

8. سلطة الإعلان عن إلغاء نتيجة الانتخابات جزئيًا أو كليًا..

9. تقوم سلطة الانتخابات في الفترات التي لا تشهد انتخابات بأعمال ذات صلة مثل الإستمرار في تسجيل الناخبين الجدد وتجديد القوائم وتنقيتها، وإعداد الوثائق والمستندات الإرشادية، وتقديم الإستشارات للمواطنين والمرشحين، وإجراء استطلاعات للرأي..

10. تنظيم حملات توعية منظمة للمواطنين في شكل دورات تثقيفية وتدريبية وبإستخدام كافة الوسائل من طباعة ونشر وتوزيع الكتب والمجلات وعقد المحاضرات وورش العمل في المناطق المختلفة وتجاه كافة فئات المجتمع، وإتاحة المادة العلمية ورقيًا وإلكترونيًا بالمجان.. هذا بجانب تقديم دورات بناء القدرات السياسية للكوادر والقيادات السياسية والحزبية والنقابية والعمالية الطلابية.. ويجب التعاون هنا مع الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والهيئات الدولية..

ثانيًا: الهيكل التنظيمي:

1. تتشكل سلطة الانتخابات من مجلس تنفيذي وعدد من اللجان الفرعية الفنية ووحدات إقليمية وسكرتاريا.

2. يتشكل المجلس التنفيذي من عدد محدد من الأعضاء (سبعة أعضاء مثلا): ثلاثة قضاة من القضاة الحاليين والمتقاعدين، وإثنان ترشحهم مؤسسات المجتمع المدني، وإثنان من الأكاديميين المتخصصين في القانون والعلوم السياسية. ويتفرغ هؤلاء للعمل في السلطة لمدة العضوية (سبع سنوات مثلا أو حتى الوصول إلى سن التقاعد). ويمكن اختيار هؤلاء الأعضاء بترشيحهم من قبل الهيئات المختلفة ثم تصويت البرلمان المنتخب أو بأسلوب المسابقة.. ويتناوب هؤلاء الأعضاء السبعة على رئاسة المجلس بشكل دوري كل عام. وتؤخذ القرارات بأغلبية أعضاء المجلس. ويتمتع هؤلاء بذات الحصانة التي يتمتع بها القضاة ويعاملون ماليًا معاملة أعلى فئة في السلك القضائي.

3. يكون للسلطة سكرتاريا خاصة ويتبعها عدد من وحدات العمل الإقليمية التي توزع على المحافظات أو البلديات المختلفة. كما يتبع السلطة عدد من اللجان الفنية والتي تُعنى بقطاعات مختلفة، مثل الشؤون القانونية، والشؤون المالية والتمويل، والإعلام والتوعية، والشؤون الفنية والإجرائية والإدارية، والمعلومات وإستطلاعات الرأي والبحوث، والتعاون الدولي..

4. يقوم المجلس التنفيذي واللجان النوعية بتعيين خبراء وموظفيين عموميين من خريجي التخصصات ذات الصلة كالسياسة والقانون والإعلام والاقتصاد والإدارة والإحصاء وتكنولوجيا المعلومات وغيرها، وذلك للعمل بشكل دائم للبعض منهم، وبشكل جزئي للبعض الآخر (وقت الانتخابات العامة)، وذلك بالنظر إلى أن ثمة تقديرات ترى أن كل مليون ناخب يحتاج إلى نحو عشرة آلاف موظف.[11] مع ضمان الاعتماد على الشباب وتمثيل الفئات الضعيفة في المجتمع حتى تكتسب السلطة ثقة الجميع..

5. تضم السلطة محكمة انتخابية من قضاتها الثلاثة، تتولى مهام تلقي الطعون والشكاوى والنظر والفصل فيها. ويمكن وضع نظام بديل لهذه المحكمة الانتخابية بإخضاع قرارات هذه السلطة إلى المحكمة الإدارية العليا أو المحكمة الدستورية العليا، على أن يتم استشارة السلطة من قبل هذه المحاكم عند النظر في القضايا والشكاوى، بل ويمكن أن يكون رأي السلطة الانتخابية مُلزمًا في الأمور المتصلة بعدم قبول ترشيح شخص ما لاختراقه اشتراطات الترشيح، والأمور المتصلة بالطعون على صحة انتخاب شخص ما كما في الحالة الهندية.

6. يكون للسلطة مقرًا رئيسيًا في العاصمة، على أن تفتتح لها مقارًا فرعية بالمحافظات أو البلديات المختلفة..

7. يكون للسلطة موقعًا إلكترونيًا، معلوماتيًا وتعليميًا وتفاعليًا..

8. ضرورة التنسيق بين السلطة وبين أجهزة الإعلام العامة لتحديد فقرات محددة لأنشطة السلطة على شاشات المحطات المسموعة والمرئية لممارسة المهام المتصلة بالتوعية والتثقيف. ولا يوجد ما يمنع أن يكون للسلطة الانتخابية أحهزة إعلامية مستقلة في المستقبل.

9. وفي ظل التطور التكنولوجي لوسائل الإتصال والإنترنت، فإنني أعتقد أنه لابد أن يتم تبني نظام التصويت الإلكتروني بشكل تدريجي للإستفادة من المزايا التي سبقت الإشارة لها.

ثالثًا: التمويل والإستقلال المالي والسياسي لسلطة الانتخابات:

1. يُعِد المجلس التنفيذي ميزانية السلطة المقترحة وتتم مناقشتها واعتمادها من المجلس التشريعي المنتخب على أن يكون لها بند محدد في الميزانية العامة للدولة كما في الحالة الإسترالية، وتخضع ميزانيتها السنوية لرقابة البرلمان المنتخب وأجهزة الدولة الرقابية الأخرى.

2. يتلقى البرلمان المنتخب بصفة دورية تقارير مالية وإدارية عن أعمال السلطة عن كل انتخابات تشرف عليها، ويراقب البرلمان أعمال سلطة الانتخابات بصفة دورية ويحاسِب أعضائها عن أعمالهم أمام البرلمان.

3. يُصْرف على الانتخابات العامة في الدولة من هذه الميزانية، أما نفقات الانتخابات الأخرى التي تشرف عليها السلطة في هيئات ومؤسسات أخرى كالأندية والنقابات والأحزاب فتأتي من الميزانيات الخاصة بتلك الهيئات والمؤسسات.

4. حظْر تلقي أعضاء السلطة الهدايا والمنح التي لها علاقة بوظيفتهم.

5. حظْر قيامهم بأعمال تجارية أو مالية مع مؤسسات الدولة.

6. حظر انتماء أي عضو أو موظف فيها إلى أحد الأحزاب أو التيارات القائمة في البلاد، وحظر اشتراكهم في التصويت أو الترشح للمناصب التي يتم الاختيار فيها بالإنتخاب، وذلك طوال فترة توظيفهم في السلطة الإنتخابية.

7. عدم خضوع هذه السلطة لوزارة الداخلية وأجهزة الأمن الأخرى، ويمكن على العكس تشكيل جهاز أمن خاص يتبع مباشرة السلطة ويأتمر بأوامرها.

8. تُشرف السلطة على المهام الإعلامية المتصلة بالانتخابات، مثل عقد مؤتمرات صحفية دورية وتوزيع البيانات الصحفية ووضع ضوابط لتغطية الصحافة والإعلام للانتخابات والحصول على المعلومات من السلطة قبل وأثناء وبعد الانتخابات. كما تقوم السلطة ببناء قاعدة بيانات لنشر الإحصاءات والبيانات والوثائق المتصلة بالانتخابات المختلفة بشكل دوري وإتاحتها مجانًا لكل الباحثين ومراكز البحوث والرأي والصحافة والإعلام ولكل المهتمين في شكل ورقي في مكتبة السلطة وفي شكل إلكتروني على موقع السلطة على الإنترنت.

9. لا يعني الإستقلال المالي والسياسي للسلطة عدم انفتاحها على الخارج. فهناك أوجه مختلفة لتبادل الخبرات مع المراكز البحثية والهيئات الدولية المحايدة العاملة في هذا المجال، ولعل من أهم هذه الهيئات المؤسسة الدولية للديمقراطية ومساعدة الانتخابات (IDEA) ومقرها العاصمة السويدية استكهولم.

إنّ السياسة لا تعرف المستحيل أو الإستسلام إلى ما هو قائم، وهي فن الممكن وفن الإنفتاح على الآخر والتفاعل معه. والإصلاح السياسي يحتاج إلى تذكر الأولويات المشتركة وعُلو الهمة وامتلاك إرادة التغيير ثم العمل المستمر من أجل انجازه.

هوامش:


** نشرت هذه المقالة في عدد 39 – يوليو 2010 من فصلية "الديمقراطية" الصادرة عن مؤسسة الأهرام – القاهرة. ص:75-82.

وتجدر الإشارة أن هذه النسخة هي النسخة الأصلية للمقال الذي أرسلت للمجلة غير أنها نشرت بدون الهوامش!!


[1] JØrgen Elklit, “Free and Fair Elections,” in Richard Rose, ed. International Encyclopedia of Elections (Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc. 2000), p. 130.

[2] انظر في شأن سمات الانتخابات الديمقراطية: عبدالفتاح ماضي، "متى تكون الانتخابات ديمقراطية؟" المجلة العربية للعلوم السياسية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 16، خريف 2007. ص: 61-80. وكذا:

محمد السيد سعيد، "الانتخابات ليست دائما ديمقراطية"، رواق عربي، العدد 40/41، خريف - شتاء 2005- 2006 (مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة)، ص: 7-22.

Richard S. Katz, "Functions of Elections," in Rose, 135-141.

David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, "Introduction: Democratic and Nondemocratic Elections,." in David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, eds. Democracy at the Polls: A Comparative Study of Competitive National Elections (Washington and London: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1981), 3.

[3] Michael Maley, "Administration of Elections," in Rose, International Encyclopedia of Elections, 7.

[4] Ibid, 8.

[5] International Electoral Standards: Guidelines for reviewing the legal framework of elections (International IDEA, Stockholm, Sweden, 2002), 42-44.

[6] Maley, 8.

[7] Ibid, 8.

[8] انظر لمزيد من التفاصيل حول التصويت الإلكتروني:

Lawrence Norden, The Machinery of Democracy: voting systems security, accessibility, usability and cost, The Brennan Center for Justice, NYU School of Law, 2006), United States General Accounting Office, Electronic Voting Offers Opportunities and Presents Challenges: Testimony, Washington, May 12, 2004, Bruce Schneider, What's wrong with electronic voting machines?, Open Democracy, 9 November 2004, The ACE Electoral Knowledge Network (http://aceproject.org), Ellen Theisen, Myth Breakers: Facts about Electronic Elections, VotersUnite, 2006 (www.VotersUnite.Org)

[9] يمكن الأستفادة هنا من الكثير من المواثيق الدولية وإصدارات عدد من الهيئات الدولية. منها على سبيل المثال:

Code of Conduct for the Ethical and Professional Administration of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997), and Code of Conduct for the Ethical and Professional Observation of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997).

[10] هذا المقترح يستند إلى فكرة القوة الانتخابية الموجودة في الدستور البوليفاري في فنزويلا ولجنة الانتخابات المستقلة في الهند واللجان المستقلة للانتخابات في دول أخرى مثل كندا واستراليا والبرتغال والبرازيل وكولومبيا وغيرها. وللدكتور الفاضل هيثم مناع فضل كبير يجب الإعتراف به وتقديره في توجيه نظر الكاتب إلى أهمية الإطلاع على التجربة الفنزويلية، وذلك أثناء جلسات اللقاء السنوي لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي عُقد في جامعة أكسفورد في أغسطس 2007. انظر في شأن هذه المناقشات: مداخلة الدكتور مناع في: علي خليفة الكواري (محرر)، الانتخابات الديمقراطية وواقع الانتخابات في الأقطار العربية (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009)، ص 62، 64-65.

[11] Maley, 8.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث