الأثنين، 4 رمضان 1438 - 29 أيار / مايو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات الشيخ ياسر البرهامي والديمقراطية: لا مشايخ معتمدين في الإسلام

الشيخ ياسر البرهامي والديمقراطية: لا مشايخ معتمدين في الإسلام

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

 د/ عبدالفتاح ماضي

أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية

هذه المقالة كتبتها ردا على النقد غير الموضوعي الذي وجهه الشيخ ياسر البرهامي إلى مقال كتبته عن الديمقراطية وعلاقتها بالإسلام.. وردي هذا موجه - بشكل أساسي - إلى التيار السلفي العريض، وهدفه الوحيد هو تعزيز النقاش حول الموضوع ومحاولة إظهار حقيقة الإشكالية.. 

****** 

في أسبوع واحد تقريبا حصلت على وصفين متناقضين، فبينما كانت جهة تعتبر أنني "إخوان مسلمين أو سلفي"، وُصفِت من الداعية السلفي الشيخ ياسر البرهامي بأنني "ليبرالي علماني" (بجانب صفات أخرى لم أوصف بها قط في حياتي!!). سأقف اليوم عند الوصف الثاني الذي يكشف طريقة فضيلة الشيخ في فهم الديمقراطية وفي الاختلاف مع الآخر، والأهم طريقته في نقل أفكاره إلى مريديه.

يقيني أن فضيلة الشيخ لم يقرأ المقالتين بالكامل، ولم يكلف نفسه السؤال عن شخصي المتواضع. لابد لي بداية أن أعرف نفسي لمن لا يعرفني.. أعرف نفسي دوما كأكاديمي مستقل، أعمل أستاذا مساعدا في العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، وساهمت متطوعا لعدة شهور في برنامج التثقيف السياسي لأعضاء حزب النور قبل نشأة الحزب ثم تلقيت دعوة لكتابة مقالات دورية بجريدة الحزب وكتبت في أول ثلاثة أعداد منها.. ويعرف الكثيرون في الإسكندرية أنني تطوعت في تقديم مثل هذا النوع من المحاضرات والتثقيف السياسي لكل التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية، بهدف المساهمة في التغيير وهدم دولة القمع والظلم منذ عودتي من الدراسة بالخارج عام 2005 وفي ظل دولة أمن الدولة البائدة.. ولدي موقع إلكتروني به كل أنشطتي ومقالاتي ودراساتي هو (www.abdelfattahmady.net) 

*****

بداية، أود توضيح أنني أستند في ردي هذا إلى ثلاث قناعات، ألخصها في:

1- بالإسلام آداب للنصح والاختلاف في وجهات النظر ليس من بينها طريقة فضيلة الشيخ،

2- أن الحديث في السياسة ليس حديثا باللونين الأبيض والأسود فقط، ومعرفة المصطلحات والمفاهيم وربطها بواقعها الاجتماعي والسياسي ومعرفة أولويات ومرجعيات كل مجتمع من الأمور المهمة في فهم عالم السياسة المعاصر،


3- أن لا مكان الآن للإقصاء والرقابة في صفحات الرأي بالصحف كما قال فضيلة الشيخ.

*****

فيما يلي ملاحظات ست على نقد فضيلة الشيخ:

أولا: اعترض فضيلة الشيخ على فقرة جاء فيها: ("من" المبادئ العليا التي تمثل مرجعية عليا للنظام "السياسي" المنشود قيم العدل والحرية والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور)، متسائلا عن بقية المبادئ كإيتاء الزكاة وإقامة الصلاة وغيرها! فضيلة الشيخ: أنا لا أتحدث عن مبادئ الإسلام بشكل عام، وإنما عن أمثلة لـلمبادئ العليا التي تمثل مرجعية "سياسية" لأي نظام "سياسي" يراه المسلمون مناسبا لمجتمعهم في زمن محدد كما جاء بالمقال، أو ما يسمى "أسس الحكم في الإسلام". ولو تحدثنا عن المبادئ العليا للنظام الاقتصادي في الإسلام فإننا سنذكر أمورا أخرى كالعدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال، وغيرها، ولو تحدثنا عن نظام الأسرة في الإسلام لتحدثنا عن أمور أخرى.. وهكذا.

ثانيا: لا يقصد من عبارة "التجربة السياسية" –عند حديثي عن الممارسة السياسية في العهدين النبوي والراشدي- تجاهل السنة النبوية كما فهم فضيلة الشيخ، الذي استدل بالآية الكريمة "وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى." (الآيتان 3،4/ النجم). كان الحديث عن الممارسة السياسية في العهدين من حيث أنهما عمل بشري، ومن المعروف أن هناك تفسيرات متعددة للآيتين، بعضها يقرر أن المقصود كلام الرسول عليه السلام، وبعضها الآخر يرى أن الأمر يعود على القرآن، بدليل أن هناك آيات أخرى تستدرك أفعال الرسول عليه السلام وتعاتبه عن بعض التصرفات، وهناك نصوص نبوية صحيحة، قولية أو فعلية، يؤكد العلماء أنها تصرفات بشرية، دنيوية. 

ثم إن قضية ما إذا كان كلام وأفعال الرسول عليه السلام كلها وحي أم لا مسألة طرحت للنقاش بين الفقهاء منذ أن بدأ التعامل مع نصوص السنة، وظهرت آراء مختلفة وتباينت الأدلة. وفي كتب الفقهاء أمور كثيرة ترى أن من تصرفات الرسول عليه السلام ما هو صادر عنه بحكم الخبرة البشرية، ومنها ما صدر على سبيل المشورة، ومنها ما صدر بحكم أنه عليه السلام يتصرف لمصلحة المسلمين بالإجتهاد والرأي، أو وفقا للبينات والحجج وذلك عندما كان عليه السلام يقضي بين الخصوم.

ثالثا: استنكر فضيلة الشيخ قولي بأنه لا يُتصور أن البرلمان في النظام الديمقراطي المنشود سيصدر قرارا يتناقض مع المرجعية العليا للبلاد، معتبرا أن هذا الأمر يتم منذ عقود. استنتاج فضيلته هنا استنتاج متسرع لما كتبته ويُظهر أنه لم يقرأ الجزء الأول للمقال والذي أوضحت فيه مفهوم الديمقراطية وضوابطها بشكل تفصيلي. بجانب أن قياس فضيلة الشيخ على أوضاع ما قبل ثورتي 1952 و2011، قياس غير دقيق نظرا لأنه لم يكن لدينا لا ديمقراطية حقيقية قبل الثورتين، وإنما ديمقراطية ناقصة قبل 1952، ومنظومة مستبدة بواجهات شكلية ديمقراطية قبل 2011. إن ما ننشده بعد 25 يناير هو نظام سياسي ديمقراطي متكامل له مرجعية عليا وضوابط وله آليات وقواعد تحكم العلاقة بين الحكام والمحكومين. هذا النظام المنشود لن يُصدر قرارا يتناقض مع ضابط المرجعية العليا التي ارتضاها الشعب، لأن الأطر الدستورية والقانونية ستمنع تجاوز أي مؤسسة (كما يحدث في الدول الديمقراطية)، بجانب أن ضمير الشعب المصري الحي المرتبط بالقيم والدين والتقاليد سيقف بالمرصاد لأي تجاوزات. 

رابعا: أورد فضيلة الشيخ قولي "علينا تجاوز مسألة ما إذا كانت الديمقراطية تتفق مع الإسلام أم لا" وفهمها على أنني أقول أن علينا الأخذ بالديمقراطية وتقييدها بالليبرالية فقط، دون ضوابط الشريعة!! وهذا لم يرد بالمقال، ويدل على أن الشيخ لم يدرك مقصد المقال، الذي يقوم على أن الديمقراطية تتفق مع الإسلام، وأنه من الممكن أن تشكل مبادئ الشريعة مرجعية عليا للنظام وضابط أساسي على النحو المعمول به في كثير من نظم الحكم الأخرى.. فلكل مجتمع مرجعيته التي تمثل ضابطا له... في الغرب هناك المرجعية الليبرالية، وعندنا ستكون المرجعية للإسلام.. وفي المقالين تفاصيل عن هذه النقطة المحورية.. فعلام الإختلاف؟ ولماذا هذا الهجوم الحاد على مقال لا يتعارض مع برنامج حزب النور ولا غيره من البرامج الحزبية الأخرى؟؟ 

المقصود من العبارة المذكورة كما جاء بالمقال هو أن علينا:

(أ) تجاوز هذه المسألة لأنها حسمت عند معظم الإسلاميين منذ عقود لصالح أن الديمقراطية لا تتعارض مع الإسلام، وإن شاء الله ستحسم عند التيار السلفي بشكل نهائي قريبا، فكم من الإسلاميين المخلصين عارضوا الديمقراطية وانتقدوها بشدة لعقود ثم اكتشفوا أنها لا تتعارض مع الإسلام عندما أعطوا لأنفسهم الفرصة لفهمها جيدا وإدراك علاقتها بالمرجعية العليا والفصل بينها وبين نواتجها (نعم الفصل بينها وبين نواتجها المتصورة عند بعض السلفيين.. وكان هذا هو موضوع مقالي التالي الذي كنت أنوي إرساله للجريدة لولا منع مقالاتي بعد نقد الشيخ)،

(ب) التركيز على معالجة الإشكاليات التي أفرزتها الممارسة الغربية للديمقراطية كالتمثيل غير العادل والمال السياسي وغياب آليات محاسبة النواب والسياسيين وغيرها، أي الإسهام في تطوير الديمقراطية ذاتها. 

خامسا: لا رقيب على صفحات الرأي إلا ضمير الكاتب وضابط منع العبث بالمقدسات والثوابت الدينية والأخلاقيات أو الخوض في أعراض الناس. أما حديث فضيلة الشيخ عن هيئة لمراجعة المقالات قبل نشرها في صفحات الرأي، أو أي وصاية على الرأي لمنع الناس من التعبير عن رأيهم أو لمنع الناس من الإستماع إلى رأى مختلف، فأمور ذهبت مع ذهاب أنظمة الإستبداد في جُل دول العالم. وثورة 25 يناير التي حررت كل المصريين، وعلى رأسهم التيارات الإسلامية، من القمع والوصاية ستأخذ بعض الوقت لتحرير بعض المنتسبين للتيارات الإسلامية وغيرهم من عقلية الوصاية وامتلاك الحقيقة المطلقة. 

سادسا: ربما يحق لفضيلة الشيخ أن يقول "أن المقال يعبر عن فكر مخالف لمنهج السلف"، فأنا لست منتميا لأي تنظيم، غير أنه لا يحق له – في اعتقادي - أن يقول "المقال مخالف لأهل الإسلام"، فرأيه المعلن هذا قد يُفهم عند الناس العاديين أنني مخالف للإسلام ذاته. ثم مَنْ هم أهل الإسلام عنده؟ وهل نصّب فضيلته نفسه حَكَمَا لمن يمكن اعتباره مِنْ أهل الإسلام ومَنْ هو خارجهم؟ هذا موضوع في غاية الخطورة، وعانت الأمة من آثاره لعقود.. وأربأ بفضيلة الشيخ أن يقع فيه وهو أحد أبرز أعلام الدعوة السلفية في مصر، وهو الذي هاجم في نفس الفيديو دعاة التكفير!!

وأخيرا، يعلم فضيلة الشيخ أنه ليس بالإسلام مشايخ معتمدين يأخذ المسلمون عنهم علاقة الإسلام بالسياسة، وما يقوله فضيلة الشيخ (أو أي شخص آخر) في السياسة والإسلام هو فهم بشري للإسلام وليس الإسلام ذاته. وفي مقابل اجتهاد فضيلة الشيخ، هناك اجتهادات أخرى أدعو أتباع فضيلته الكرام إلى الإطلاع عليها وفهمها والتفاعل معها بعقلية واعية ونقدية، بدلا من السماع عنها من آخرين. فالحكمة ضآلة المؤمن، والحق أحق أن يتبع، والإنسان عدو ما جهل، ولن ينصلح حال أمتنا مادمنا نستمع لرأي واحد..

والله أعلم.

في الرابط التالي مقالتي التي انتقدها فضيلة الشيخ:

http://abdelfattahmady.net/opinion-articles/misc/308-26-9-3-10-2011.html

وهنا نقد فضيلة الشيخ:

http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=30118

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث