الخميس، 4 ذي القعدة 1438 - 27 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

الثورة بين السلمية والعنف

طباعة

تقييم المستخدم: / 3
ضعيفجيد 

ammady3

مع تصاعد حدة الصراع السياسي الحالي، تظهر دعوات للرد على العنف بالعنف. هذه دعوة خطرة للغاية وتهدد بدخولنا في نفق مظلم لن نخرج منه قبل عقود. سأحاول هنا الإجابة عن سؤالين محوريين: أيهما كان أكثر فعالية لبناء الديمقراطية: حركات التغيير السلمية أم العنيفة؟ وماذا عن مصر: هل العنف سيحل المشكلة؟

*****

هناك عدة دروس وعبر تقدمها لنا حالات التغيير التي شهدت حركات تغيير عنيفة أو سلمية في العقود الأربعة الماضية، أهمها:

أولا: كانت حركات التغيير العنيفة أكثر شيوعا خلال الحرب الباردة التي شهدت حروبا بالوكالة بين أتباع القطبين الأمريكي والسوفيتي. لكن تصاعد دور حركات التغيير السلمية منذ التحول الديمقراطي بشرق أوربا في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، ثم مع ما أطلق عليه الثورات الملونة في العقد الأول من الألفية الجديدة.

ثانيا: حسب قاعدة البيانات المعروفة باسم (NAVCO)، نجحت الحركات السلمية في العقد الأخير في كل من صربيا ومدغشقر وجورجيا واكرانيا. عالج هذا المشروع نحو 323 حالة منهم نحو 100 حالة سلمية، وأشار أن فرص نجاح حركات التغيير السلمية أكبر من الحركات العنيفة في تحقيق هدفها كليا أو جزئيا، وبالنسبة لهدف تغيير النظام تحديدا، فإن الحركات السلمية كانت أكثر قربا للنجاح من الحركات العنيفة. أما هدف الانفصال، فقد رصد المشروع أن حركات العنف أكثر فعالية.

ثالثا: تنجح حركات التغيير السلمية مقارنة بالحركات العنيفة لعدة أسباب، أهمها أن حركات التغيير السلمية تتيح مساحة أكبر لمشاركة الجماهير نظرا لأنها تكسر الحواجز النفسية أمام الجماهير مقارنة بحالات التغيير العنيف.

وينعكس هذا على نتائج الحراك السلمي واحتمالات النجاح، فكلما ارتفعت أعداد الجماهير المشاركة في الضغط، كلما ارتفعت تكلفة الإبقاء على الوضع الراهن من قبل النظام من جهة، وارتفعت احتمالات تبديل ولاءات أنصار النظام داخل مؤسسات وأجهزة الدولة من جهة أخرى. وقد حدث هذا بالفلبين واندونيسيا وجورجيا وأكرانيا، وفي تونس ومصر عام 2011. هذا بجانب أن الأنظمة الحاكمة تجد في قادة حركات التغيير السلمية مفاوضين محتملين مقارنة بقادة حركات العنف، كما حدث في شرق أوروبا فيما عرف بالدائرة المستديرة وفي دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية.

رابعا: التغيير الذي يحدث في أعقاب حركات التغيير السلمية يساعد في إيجاد نظم ديمقراطية أكثر استقرارا واستمرارا مقارنة بحركات التغيير العنيفة. والعامل الأساسي هنا هو قدرة قادة التغيير السلمي على الاتفاق على أمرين أساسيين، أسس النظام السياسي البديل، وخارطة طريق واضحة للوصول إلى هذا الهدف. وقد كان هذان الأمران واضحين في حالات الانتقال الناجحة بأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، حيث كان هناك توافق على النظام الديمقراطي كنظام بديل، وكان هناك طريق واضح، قصير ومباشر في بعض الحالات كما في اسبانيا وجنوب افريقيا مثلا، أو طويل وممتد كما البرازيل وغيرها من دول أمريكا اللاتينية.

خامسا: كان للسياق العام لعملية التحول الديمقراطي دوره المؤثر، فليست السلمية في حد ذاتها هي سبب النجاح، فهناك حركات سلمية فشلت، وحسب مشروع (NAVCO) هناك حركة سلمية واحدة من بين كل أربع حركات منذ 1900 فشلت، بسبب عدم القدرة على توسيع قاعدة المشاركة ضد القمع وحرمان النظام من مصادر قوته ولا سيما المصادر الاقتصادية الاجتماعية والعسكرية بمجرد شعوره بأن هناك خطرا من استمرار النظام، وهذا ما حدث في جنوب افريقيا وتشيلي والفلبين في فترات مختلفة. كما أن هناك حركة عنيفة واحدة من بين كل أربع حركات عنيفة نجحت بسبب حصولها على دعم خارجي أو دعم شعبي واسع.

الخلاصة هي أن فرص بناء الديمقراطية عن طريق أساليب التغيير غير العنيفة أكبر من فرص التغيير عبر العنف. والعنف غالبا ما يؤدي لصراعات مسلحة وحروب أهلية طويلة المدى، وإلى صعوبة بناء نظم ديمقراطية في أعقاب الحروب الأهلية. ولهذا مقال آخر.

*****

ماذا عن مصر؟ في مرحلة الهدم، نجحت حركة التغيير السلمية نظرا لوجود هدف سياسي مشترك هو إسقاط النظام، كما جذب الحراك الشعبي مشاركة شعبية واسعة، بجانب استفادته من أدوات التواصل الاجتماعي. ولم يكن العامل الخارجي عقبة لأن الحراك السلمي نجح في إيقاف الدور التقليدي للقوى الخارجية الداعمة للأنظمة القديمة ودفعتها دفعا إلى الكف عن تأييدها ولو مؤقتا.

أما خلال البناء، فقد تعددت الأهداف والسبل وساد الشك المتبادل علاقات رفقاء الدرب.. هذا بالطبع مع تنظيم القوى المضادة للثورة صفوفها، وتسييس المؤسسة العسكرية.. أما القوى الخارجية فقد عادت للتدخل والدفاع عن مصالحها بطرق مختلفة.

ولهذا لا حل لنا إلا بتكامل جهود كافة القوى الثورية ولا سيما الشبابية منها من كافة التيارات وتكتلها مع:

- التمسك نهائيا بسلمية النضال المدني الشعبي من أجل تحقيق الأهداف الأصلية للثورة المصرية وتوسيع قاعدة الجماهير الرافضة للعودة إلى الوراء..

- التركيز على الهدف الاستراتيجي المشترك وهو بناء دولة ديمقراطية مدنية بمبادئها ومؤسساتها وضماناتها المتعارف عليها، والاهتمام بكل ما يؤدي بنا إلى هذا الهدف، وبتفاصيل هذه الدولة، والضغط بكل الطرق السلمية من أجل الوصول لها وبتحركات استراتيجية تأسيسية حقيقية..

- التخلى عن التنافس الايديولوجي والسياسي خلال مرحلة التأسيس وإعلاء المصلحة العامة لتأسيس نظام وقواعد للتنافس لاحقا. وربما يتم هذا بالإتفاق على أن تكون أول حكومة بعد أول انتخابات حكومة وحدة وطنية أو تكنوقراط تحظى بدعم ثلثي أعضاء البرلمان..

- كف كل طرف عن الحديث عن أخطاء الطرف الآخر، والتعهد المتبادل بعدم تكرار الأخطاء وبالاهتمام بالمستقبل..

- اعتماد الشفافية التامة وتوثيق كل التوافقات الجديدة بشكل مكتوب..

- إرسال كل قضايا الدم والقتل وانتهاكات حقوق الإنسان منذ 25 يناير وحتى اليوم إلى نظام مستقل تماما للعدالة الانتقالية..

8 ديسمبر 2013