الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات الفضاء الإلكتروني عبدالفتاح ماضي: حول الاستفتاء القادم

عبدالفتاح ماضي: حول الاستفتاء القادم

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

ammady122

تلقيت خلال الأسبوعين الماضيين ثلاثة أو أربعة اتصالات لأعلق على الاستفتاء على الدستور في فضائيات أو ندوات عامة، مع توقع أصحاب هذه الاتصالات دعوة الناس الى التصويت بنعم. وما أحزنني هو أنه عندما كنت اخبرهم بأنني سأتحدث - استنادا الى تخصصي الأكاديمي واستقلالي السياسي - عن سلبيات الدستور وإيجابياته وأدعو الناس الى قراءة الدستور وفهم السياق العام له ثم اختيار بديل من ثلاثة بدائل (نعم/لا/مقاطعة) - وذلك كما فعلت في كل المناسبات الانتخابية السابقة منذ ثورة 25 يناير- كنت أفهم منهم - بشكل مباشر أو غير مباشر- بأن المطلوب هو حث الناس على التصويت بنعم.

حزين على وصولنا بعد ثلاث سنوات من ثورتنا الى استفتاء لم نرى مثيلا له في مصر، ولا حتى قبل 25 يناير، استفتاء يفرض على الناس فيه اختيار واحد فقط، وغير مسموح فعليا بأي حملات دعائية لأنصار (لا) أو المقاطعة، ويقوم الاعلام بتشويه من له أي موقف مخالف ل(نعم) ويرميه (بكل سهولة وبلا أدنى قدر من المسؤولية أو تدبر في العواقب) بالتخوين أو الأخونه. أما الحكومة فترى أن تمرير الدستور يضمن الاستقرار والأمن والانتاج مع تجاهل تام لحالة الحراب الأهلي وحالة السخط الشعبي على الكثير من سياسات الحكومة من قطاعات ليست بالصغيرة. هذا فضلا عن أنه لا يوجد بديل واضح للدستور كما في كل الاستفتاءات في العالم، أي ماذا سنفعل في حالة كانت النتيجة لا. في بعض حالات التحول الديمقراطي قدم دستور معدل وآخر جديد للاستفتاء عليهما كما في الإكوادور في السبعينيات. وكل الاستفتاءات تكون - كما كتبت مرارا- بين بديلين واضحين ويترك الاختيار للناس احتراما لكرامتهم وقناعاتهم.

ومن الوظائف الاساسية للاستفتاءات والانتخابات تثقيف الجماهير وتوعيتهم وتنويرهم وتمكينهم وإعطائهم الفرصة للاختيار الحر وممارسة الديمقراطية، وتزداد أهمية هذه الوظيفة في الدول التي تمر بحالة تحول؛ اذ يحتاج الناس بشدة لهذه الأمور لزرع ثقافة الاختيار الحر واحترام التعددية. للأسف الاستفتاء القادم لن يقوم بهذه الوظيفة.

في تعديل 2011 وفي دستور 2012 ألقيت الكثير من المحاضرات العامة ثم ذهبت وقلت (لا) في الحالتين لسبب أساسي هو غياب الحد الأدنى من التوافق قبل الذهاب للصناديق، وحذرت في المناسبتين من أن (نعم) ستعمق الاستقطاب ولن تحل الخلافات السياسية وستصدر خلافات القوى السياسية الى الجماهير، وأن من الخطأ أن نتصور أن الاحتكام للصناديق سيحل مشاكلنا قياسا على الدول الديمقراطية المستقرة، وناديت بالبحث عن توافقات وتنازلات متبادلة قبل دعوة الناس للصناديق، وذلك كما حدث في كل حالات التحول الديمقراطي الناجحة، ولم يستمع أحد.

أما اليوم فلا يغيب هذا الحد الأدنى من التوافق فقط، وإنما الوطن كله صار ممزقا ومنقسما سياسيا واجتماعيا والدماء أضحت تسيل كل يوم، بل ووصلنا الى حالة يتم فيها تجريم وتشويه كل مخالف في الرأي، ومع هذا هناك من النخب والمثقفين من يتصور أن الدستور سينهي المسألة وأنه يمكن انتهاء هذا الصراع بالضربة القاضية ويقدمون الكثير من التبريرات.

سنظل نسير من السيء الى الأسوأ حتى يتعلم كل من يتصدى للشأن العام القراءة والاستماع للآخر وحتى يستوعب هؤلاء سنن الله في كونه وفي تغيير نظم الحكم. وسأظل انا، اذا قدر الله، اكتب ما يمليه ضميري وما اعرفه عن سنن ومسالك التحول الديمقراطي أملا في أن نصل إلى اليوم التاريخي الذي يتاح فيه للشعب فرصة حقيقية لتقرير مصيره واختيار مستقبله ووضع دستور حقيقي يليق بتضحياته وآماله.