الجمعة، 28 رمضان 1438 - 23 حزيران / يونيو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية بحوث ودراسات Research مؤتمرات وندوات ورقة العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي

ورقة العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي

طباعة

تقييم المستخدم: / 1
ضعيفجيد 

amadybu.

عبدالفتاح ماضي، ورقة "العلاقات المدنية- العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي"، مؤتمر تحولات الديمقراطية في العالم العربي، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، بيروت، 28 يونيو 2012. 

 

مداخلة في المحور الثالث: "التغيرات العربية ودور المؤسسات العسكرية والأمنية"

مؤتمر: "تحديات الديمقراطية في العالم العربي" - مركز عصام فارس للدراسات اللبنانية

بيروت – 29 حزيران (يونيو) 2012

 د. عبدالفتاح ماضي

أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة الإسكندرية

www.abdelfattahmady.net

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

  تتضمن هذه المداخلة:

  1. تمهيد.
  2. مقدمة مقتضبة عن التمييز بين عدد من المفاهيم ذات الصلة بالانتقال إلى الديمقراطية.
  3. طبيعة الحكومات العسكرية.
  4. مهام القوى الديمقراطية المدنية خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطي.
  5. مهام الحكومة الديمقراطية المدنية خلال مرحلة التحول الديمقراطي وترسيخ نظام الحكم الديمقراطي.
  6. الحالة المصرية.

 تمهيد:

العلاقات المدنية – العسكرية في دول الربيع العربي من الموضوعات ذات الأهمية في مرحلة ما بعد إسقاط النظام القديم. فنظرا لطبيعة المنطقة العربية الجيواسترتيجية واستهدافها من قبل الصهيونية وحلفائها الغربيين، بجانب ضعف النخب السياسية المحلية وشخصنة الحياة السياسية والحزبية، فقد شهدث عدة دول عربية في مرحلة ما بعد الإستعمار عمليات تسييس للمؤسسة العسكرية انتهت إلى تحكم هذه المؤسسة في مقاليد الأمور بشكل مباشر أو غير مباشر منذ الإستقلال وحتى يومنا هذا.

ومع اندلاع ثورات الربيع العربي وتطلع الشعوب العربية إلى نظم حكم ديمقراطية تقوم على حكم القانون والمؤسسات والمواطنة، وتحترم حريات الإنسان وكرامته، وتضع سياسات تنموية حقيقية تستفيد منها الطبقات الفقيرة قبل الميسورة، ظهرت إشكالية جديدة، هي كيفية معالجة موقع المؤسسة العسكرية في النظام الديمقراطي المنشود في ظل تعاظم دور المؤسسة العسكرية (ومعها المؤسسات الأمنية والمخابراتية الأخرى) دون تعريض البلاد إلى خطر التقسيم في الداخل أو الإستهداف من الخارج.

هذه إشكالية حقيقية بالنظر إلى أن هناك جيوش تسيطر على أجزاء ليست باليسيرة من الاقتصاد الوطني، كما أن هناك جيوش ذات طبيعة طائفية أو قبلية. هذا ناهيك عن العلاقات القوية التي ربطت بعض قيادات هذه الجيوش بالدول التي تقدم لها السلاح والتدريب والتمويل. وفي ظل التوتر القائم منذ عقود فيما يخص الصراع العربي الصهيوني ووجود دولتين رئيسيتين على الحدود مع فلسطين المحتلة من دول الربيع العربي، فإن الأمور تزداد تعقيدا.

تهتم هذه المداخلة بمسألة معالجة العلاقات المدنية العسكرية في الدول التي تشهد تغييرًا جذريًا في أنظمتها السياسية نحو الديمقراطية، وتحاول، بنظرة مقارنة، تقديم عدة دروس وعبر مستمدة من حالات التحول الديمقراطي التي تمت في العقود الأربعة الأخيرة.

ولتحقيق هذا الغرض تتضمن المداخلة خمسة موضوعات، هي: التمييز بين عدد من المفاهيم ذات الصلة بالانتقال إلى الديمقراطية - طبيعة الحكومات العسكرية - العلاقات المدنية العسكرية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية - العلاقات المدنية العسكرية في مرحلة التحول الديمقراطي وترسيخ نظام الحكم الديمقراطي – الحالة المصرية.

أولا: التمييز بين المفاهيم الرئيسة للتحول إلى الديمقراطية:

في الحالات التي شهدت تحولا سياسيًا نحو الديمقراطية يتم، عادةً، التمييز بين عدد من المفاهيم. أولها الإنتقال الديمقراطي (democratic transition)، والذي يشير إلى تحويل السلطة من يد الحكام المطلقين إلى حكومة ديمقراطية منتخبة، أي اجتياز المسافة الفاصلة (threshold) بين أنظمة الحكم غير الديمقراطي وأنظمة الحكم الديمقراطي. وعادة ما يتحقق الانتقال بعد انهيار النظام القديم، وتوافق القوى السياسية على اختيار النظام الديمقراطي الجديد بمؤسساته وإجراءاته وضماناته المتعارف عليها. في هذه الحالة لا يتخلص النظام الديمقراطي الوليد من كل المشكلات التي كانت قائمة قبل الانتقال مثل تجاوزات العلمية الانتخابية، أو انخفاض الوعي السياسي، أو تخلف الوسائل الإعلامية، أو بالطبع نفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

يلي ذلك عملية التحول الديمقراطي (democratic transformation) – وهي عملية ممتدة بمراحل متعددة تختلف أبعادها من دولة إلى أخرى، وقد تشتمل على عمليات مرتدة تعمل في الإتجاه المعاكس، وتنتهي (في حالة النجاح) إلى حالة جديدة هي ترسيخ قواعد النظام الديمقراطي (democratic consolidation)، بمعنى الحالة التي يمكن معها القول، بقدر كبير من الثقة، أنه لا خطر على النظام الديمقراطي لا من الجيش ولا من الأحزاب ولا من الجماهير ولا من الخارج. إنها الحالة التي توصف معها النظم الديمقراطية بأنها نظم راسخة (consolidated or established democracy). وتتصل هذه الحالة الأخيرة بمؤشرات مختلفة تختلف من حالة إلى أخرى، أبرزها وجود اجماع معقول بين النخب والجماهير على الديمقراطية وقواعد اللعبة الديمقراطية كمبدأ وليس كإجراء، وكذا مشاركة واسعة للناخبين في الانتخابات، واقتناع كل القوى السياسية الرئيسة بأنه لا بديل عن العملية الديمقراطية لتسوية الصراعات السياسية، وعدم وجود مؤسسة ما أو جهة قادرة على أن تتدعي لنفسها حق الإعتراض على قرارت وسياسات صناع القرار المنتخبين كالمؤسسة العسكرية أو الدينية، وشيوع الثقافة الديمقراطية وسط الشعب وغير ذلك.

وتختلف عملية ترسيخ الديمقراطية عن إستقرار النظام. فقد يستقر النظام دون أن يتم ترسيخ الديمقراطية كما في روسيا وأكرانيا وفنزويلا، وقد لا يقترن ترسيخ الديمقراطية بالإستقرار، فقد يقوم نظام ديمقراطي من نوع ما لكن مع استبعاد الأقليات كما في جنوب أفريقيا تحت الحكم العنصري والكيان الإسرائيلي منذ نشأته وحتى اليوم. 

ثانيا: طبيعة الحكومات العسكرية:

تكاد ظاهرة الحكومات العسكرية أن تنقرض في معظم الدول بعد أن كانت منتشرة في النصف الثاني من القرن العشرين. جوهر هذا الحكم هو تحكم مجموعة من العسكريين في مفاصل الدولة سياسيًا واقتصاديًا إما بشكل مباشر أو من وراء ستار، مع وجود واجهات شكلية (وربما رئيس وبرلمان منتخبين لكن بصلاحيات مقيدة)، وضعف حكم القانون ودولة المؤسسات. يصل العسكريون الى السلطة بانقلابات عسكرية سافرة أو مستترة. في أمريكا اللاتينية انتشرت ظاهرة تحكم مجالس عسكرية جماعية (junta) في الشأن السياسي، أما في الدول العربية والأفريقية فقد سيطر شخص عسكري واحد على المشهد، فبعد الانقلاب ينجح هذا الشخص في إزاحة رفاقه وينفرد بالسلطة.

وفي معظم الحالات لا يحكم العسكريون إلا في ظل قوانين استثنائية أو حالات الطوارئ، وهم يستخدمون القضاء العسكري لمحاكمة معارضيهم صوريًا، ولا يحترمون حقوق الانسان، ولا يقبلون الرأي المعارض، ويظنون أن غير العسكريين غير صالحين لإدارة البلاد. وعادة يسيطر العسكريون على أدوات التأثير على العقول من إعلام وصحافة ويُوجدون بجانبهم مثقفين تابعين. وفي معظم الحالات أيضا يخلع العسكريون بدلهم العسكرية ويتحولون الى مدنيين ويستعينون بوزراء تكنوقراط، وذلك كله بهدف إظهار واجهة مدنية شكلية لحكمهم المطلق.

وفي بعض الحالات يتم استغلال أوضاع إقليمية أو دولية للترويج لاستمرار العسكريين. وعادة ما تحصل الحكومات العسكرية على دعم قوى خارجية، ولأمريكا تاريخ طويل في دعم العسكريين بشكل مباشر أو مستتر كما حدث بأمريكا اللاتينية وافريقيا والشرق الأوسط، وذلك بحجة صد الشيوعية أو ما يسمى حركات الاسلام السياسي، وفي جميع الأحوال تكون المصلحة القومية الأمريكية هي المحدد الأساسي لدعم العسكريين من عدمه. وفي بعض الحالات شجعت أمريكا تفجير الأوضاع وإشعال الحروب لضمان استمرار هذه الأوضاع، واستمرار تدفق شحنات الأسلحة الغربية. وفي بعض هذه الحالات تنقسم الجيوش ذاتها.

هناك نتائج سلبية كثيرة لهذا النوع من الحكم، أولها فشل العسكريين في إدارة بلدانهم سياسيًا واقتصاديًا، والاستثناءات موجودة ولكنها قليلة، فالحكم العسكري في كوريا الجنوبية حقق تقدمًا في المجال الاقتصادي لكنه لم يمتد إلى المجال السياسي إلا بعد أن خرج العسكر من الحكم. والأسوأ هو أن الحكم العسكري غالبًا ما يتطور الى نظم حكم مطلقة يسيطر عليها شخص واحد مع استمرار هيمنة العسكريين. ومع ضعف القانون ووجود مؤسسة غير منتخبة فوق مؤسسات الدولة المنتخبة بشكل صوري وانتخابات غير ديمقراطية، يتم ترسيخ الاستبداد وينتشر الفساد.  

لايغادر العسكريون السلطة إلا بثورة شعبية وتظاهرات ضخمة تدفعهم الى التنازل كما حدث في كوريا الجنوبية وفي بعض الدول الأفريقية، أو بعد هزيمة عسكرية مذلة في حروب إقليمية كما في اليونان والأرجنتين. وفي بعض حالات الانتقال الديمقراطي ظهرت قيادات عسكرية أدركت سنن الكون وانحازت لصفوف الشعب كما حدث في الفلبين والسودان وموريتانيا. وفي البرازيل انقسم الجيش بين مؤيد لعودة الحكم المدني وبين مؤيد لاستمرار العسكر، وانتصر الحكم المدني الديمقراطي بعد صراع دام نحو 12 عاما.

 وكما سنعرض لاحقا، فإن موقف المؤسسة العسكرية من التحول الديمقراطي موقف مهم وحاسم لنجاح هذا التحول، فإما تنحاز للديمقراطية والانتقال لها بمسار محدد وحقيقي، وأما تقف ضدها. 

ثالثا: العلاقات المدنية – العسكرية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية:

تشير حالات الانتقال الديمقراطي إلى أن المهمة الأساسية في هذه مرحلة الانتقال، فيما يتصل بالعلاقات المدنية – العسكرية، هي التركيز على إخراج الفئة الحاكمة (الجيش أو الحزب الشمولي الأوحد) من السياسة وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة. حدث الأمر مرة واحدة وسريعا في اليونان 1974، لكنه استغرق عدة سنوات في البرتغال والأرجنتين وغيرها.

وفي واقع الأمر لا يوجد هناك طريق واحد لإنجاز هذه المهمة، فمن الطرق المتبعة تحالف القوى المدنية وقيامها بعملية تعبئة وحشد لإخراج الفئة الحاكمة (الجيش أو الحزب الأوحد) مع تقديم ضمانات للمؤسسة العسكرية أو النخبة الحاكمة سابقا وعفو عام عن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وهناك طريق آخر هو تحالف القوى المدنية الديمقراطية وقيامها بعقد اتفاق (pact) مع الجناح المعتدل داخل الفئة الحاكمة كما حدث في أرجواي وتشيلي في الثمانينيات.

وفي معظم الحالات الناجحة للانتقال كان دعم الجيش للمتظاهرين ودعاة الديمقراطية، أو عدم ممانعته فعلا في انتقال السلطة إليهم، عاملا حاسما، كما في إسبانيا والفلبين وبيرو ورومانيا والأرجنتين واليونان وكما حدث مؤخرا في تونس. وفي حالات أخرى انقسم الجيش بين مؤيد ومعارض للانتقال للحكم المدني، كما في البرازيل وأورجواي وتشيلي وجنوب كوريا واندونيسيا.

لكن في جُل حالات الانتقال الديمقراطي الناجحة، ظهرت تحالفات مدنية قوية ولم ينفرد  فصيل واحد بمعالجة الأمر. أي أن وجود معارضة ديمقراطية حقيقية وتوافقها وتشكيلها لتحالف وطني واسع من القوى الرئيسة في البلاد كان أمرًا محوريًا، تحالف يستطيع أن (1) يتفاوض على انتقال السلطة بإجماع وطني واسع، و(2) يكون قادرًا على تولي السلطة دون التصادم مع قوى رئيسة أو مع المؤسسة العسكرية أو مع الخارج. حدث هذا الأمر بأشكال متفاوتة في جنوب افريقيا والفلبين والمكسيك وبولندا وجنوب كوريا وتشيلي والمجر وغيرها.

وفي الحالات التي فشل فيها الانتقال واستمر الجيش في التأثير، كان السبب الرئيس هو إنقسام النخب والقوى السياسية وعدم وجود اجماع وطني على إخراج الجيش وعدم وجود بديل وطني يعتمد عليه للجيش. فالجيش لا ينسحب إذا كان متأكدًا أن البديل ضعيف وغير قادر على السيطرة في ظل نظام حزبي منقسم وحياة سياسية تسودها الانقسامات السياسية والايديولوجية (حالات بنغلاديش، باكستان، فيجي، بورما، تايلند). كما فشلت حالات انتقال أخرى نظرا لتسييس بعض القوى السياسية للجيش أو عقد اتفاقيات غير معلنة معه على حساب منافسيها. حدث هذا في باكستان وبنغلاديش وتركيا وغيرهما.

ولا يمكن هنا اغفال دور العامل الخارجي، ففي معظم الحالات الناجحة إما أن يؤيد الخارج الانتقال ويدعمه كما حدث مع دول شرق أوروبا وأكرانيا وجورجيا وجنوب افريقيا، وإما أنه لم يمانع في الانتقال، برغم أنه كان مؤيدا للنظام القديم. وقد اعتمد هذا، في جزء كبير منه، على وجود قوى وطنية ديمقراطية استطاعت بتوافقها وتحالفها في معظم الأحيان، أن تقدم خطابًا سياسيًا توافقيًا ومنفتحًا وغير متصادم مع الخارج من جهة، وأن تكون قادرة من جهة أخرى على تسلم السلطة كتحالف وطني واسع في ظل نظام ديمقراطي حقيقي من جهة أخرى. والنتيجة كانت اضطرار الخارج إلى دعم الانتقال والتخلي عن دعم الأنظمة التسلطية، كما حدث مع الفلبين وجنوب كوريا وغيرهما.

ومجمل القول هنا أن التركيز في مرحلة الانتقال يكون منصبًا على وجود بديل وطني ديمقراطي يتسلم السلطة من العسكريين. ولا يتم في هذه المرحلة المبكرة فتح الملفات المتصلة بالعلاقات المدنية العسكرية. بل إن بعض الدول شهدت عمليات عفو عام ومصالحة وطنية ضمن ما عرف في بعض الدول بإجراءات العدالة الانتقالية، فبناء المستقبل ووضع ضمانات قانونية ومؤسسية لضمان عدم عودة النظام القمعي المستبد كان أهم من فتح ملفات الماضي وتهديد مسار الانتقال ذاته.   

رابعا: معالجة العلاقات المدنية – العسكرية في مرحلة التحول الديمقراطي:

تشير تجارب الانتقال الناجحة إلى أنه بمجرد انتقال السلطة إلى حكومة ديمقراطية منتخبة تبدأ مرحلة التحول الديمقراطي، التي يكون على الحكومة (الحكومات) الديمقراطية المنتخبة القيام بعدد من المهام للوصول إلى مرحلة ترسيخ دعائم الديمقراطية الوليدة. وتتضمن هذه المهام بشكل عام كل ما من شأنه دعم المؤسسات والثقافة والممارسات الديمقراطية كتعديل القوانين وإنشاء هيئات جديدة ودعم المجتمع المدني ودعم التعليم المدني وتوعية الجماهير ودعم الاقتصاد الوطني ومعالجة كافة المطالب الاجتماعية والاقتصادية المشروعة. ومن أبرز المهام في هذه المرحلة حسم العلاقات المدنية – العسكرية في الدول التي شهدت دورًا محوريًا للجيش.

لا ينجح قادة التحول الديمقراطي في معالجة هذه المسائل في كل الحالات. ففي دراسة لباحثة أمريكية جاء أن من بين 85 حالة انتقال بين عامي 1974 و1999 فإن هناك 30 حالة أدت إلى ديمقراطية حقيقية مقابل 34 حالة عادت فيها البلاد إلى الحكم المطلق، و21 حالة انتقلت فيها البلاد إلى ديمقراطية شكلية. ومن هنا تأتي أهمية الإدارة الصحيحة والمحسوبة لهذه المرحلة.

ومعالجة العلاقات المدنية – العسكرية تتطلب وقتًا قد يمتد لسنوات، ففي إسبانيا استغرق الأمر نحو سبع سنوات، وفي حالات أخرى احتاجت البلاد لأكثر من عقد من الزمان كما في حالتي الأرجنتين والبرتغال. وهذه المعالجة تعتمد على عوامل كثيرة. فمن ناحية، يؤثر دور الجيش في مرحلة الانتقال وعلاقته بالقوى السياسية في مرحلة ما قبل الانتقال على شكل العلاقات المدنية-العسكرية بعد الانتقال. كما أن التنازلات (الرسمية وغير الرسمية) التي تقدمها القوى السياسية للجيش قبل الانتقال تؤثر بالسلب على قدرتها على التفاوض بعد الانتقال. ففي البرتغال كانت عملية الانتقال في مجملها في يد الجيش ولهذا استغرق الأمر سنوات ولا يزال للجيش بعض المميزات حتى الآن. أما في اليونان وفنزويلا فقد كانت عملية الانتقال في يد المدنيين. ولم يلعب الجيش دورًا كبيرًا في الانتقال في اسبانيا ولهذا انتهى الأمر لصالح المدنيين. وفي دول أخرى لعب الجيش دورًا محوريًا في جميع المراحل كما في تايلند ونيجيريا.

ومن الملاحظ في الحالات العربية تعدد النماذج. ففي الحالة المصرية استلم الجيش السلطة بعد الإطاحة بالنظام القديم وانفرد بتقرير مسار المرحلة الانتقالية ما أدى إلى إرتباك هذا المسار. وذلك على عكس الحالة التونسية التي لم يرغب الجيش فيها بالقيام بأي دور في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وفي ليبيا انقسم الجيش وتشكلت كتائب خاضت حربًا ضد رأس النظام والكتائب التابعة لها انتهت بإسقاط النظام وانتشار السلاح بين أطراف مختلفة. وفي الحالة السورية استخدم النظام الجيش في قمع الثورة، وبمرور الوقت ظهرت انشقاقات داخل الجيش قد توصل الحالة السورية إلى الحالة الليبية. في جميع هذه الحالات تختلف المهام التي على القوى الديمقراطية القيام بها، ففي مصر تتمثل الأولوية في تسليم السلطة لرئيس مدني منتخب وظهور حكومة وحدة وطنية موسعة تقود مرحلة التحول الديمقراطي، أما في ليبيا، وربما سوريا، فجمع السلاح وتشكيل جيش وطني هي المهمة الأولى التي بدونها لا يمكن تصور استكمال بقية خطوات التحول. 

وعادة ما تتأثر عملية معالجة العلاقات المدنية العسكرية بعدد من العوامل، أولها شرعية وقوة الحكومة المدنية المنتخبة وحجم الدعم الشعبي الذي تمتلكه: هل هي حكومة تتمتع بأغلبية بسيطة أم أنها تتمتع بأغلبية واسعة بالبرلمان؟ وهل تقوم الحكومة بالضغط على الجيش في القضايا المصيرية ذات العلاقة بالجيش أم لا؟ وما درجة التوافق والتحالف بين القوى المدنية حول مسألة إزاحة النفوذ العسكري؟ احتاج الأمر، في الأساس، إلى نوع من الشراكة السياسية بين القوى السياسية لمعالجة المسألة والتفاوض مع الجيش حول مستقبل العلاقات المدنية العسكرية. هذا بجانب الطريقة التي تمت بها عملية التفاوض مع الجيش: هل قدمت كل الطلبات مرة واحدة (في الأرجنتين قدم كل شيء مرة واحدة فكانت النتيجة التعثر لفترة طويلة)، أم تم الأمر بشكل تدريجي (كما في حالة اسبانيا والبرازيل)؟ وللعامل الخارجي أثره أيضا: هل هناك تهديد خطير للأمن القومي من الخارج؟ هل يرتبط الجيش بعلاقات قوية مع دول أو دول قوية؟

كما إن الرغبة في تحقيق السيطرة المدنية لابد أن تقترن بوجود متخصصين وخبراء مدنيين في الشؤون العسكرية والأمنية. وتؤثر حالة الجيش من الداخل في معالجة المسألة: هل هو موحد أم منقسم؟ في بعض الحالات خضع الجيش لعملية تحول ديمقراطي من الداخل، أي غرس القيم الديمقراطية داخل المؤسسة ذاتها. هذا ما تم في اسبانيا على مدى فترة زمنية ممتدة وانتهى إلى حسم العلاقة نهائيا.

وتتأثر المهمة بالسلب أيضا إذا لم يتم فتح قنوات للحوار والتفاوض بين المدنيين والعسكريين، وينتشر بالتبعية سوء فهم وعدم ثقة متبادلة. ولهذا ففي معظم الحالات الناجحة كان من الأهمية خلق آليات للتفاعل بين الطرفين ووسائل يتمكن من خلالها المدنيون من معرفة مطالب العسكريين وأبعاد القضايا الإستراتيجية من جهة، ووسائل يمكن للعسكريين من خلالها معرفة أبجديات النظام الديمقراطية ومتطلبات بناء دولة ديمقراطية حديثة ووضع الجيش داخلها وغير ذلك من الأمور ذات الصلة.

ويرتبط بما سبق ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لبناء جسور من الثقة بين المدنيين والعسكريين لتقوية الديمقراطية. وهنا ظهرت آليات مختلفة منها اشراك العسكريين في مناقشة التشريعات ذات الصلة بالشؤون الأمنية والإستراتيجية، ووضع نظام تدريب وتثقيف ديمقراطي داخل الجيش، والاعتماد على خريجي العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تجنيد ضباط الاحتياط، ومعاملة العسكريين قضائيًا بنفس معاملة المدنيين، والاهتمام بنظام معاشات العسكريين، وغير ذلك.  

وفي حالات أخرى، فشلت عملية حسم دور الجيش وبقى الجيش في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر (كما حدث في نيوغينيا، باكستان، بورما، اندونيسيا، تركيا)، لأسباب مختلفة أهمها أن الجيش كان على درجة عالية من التنظيم والانسجام مقارنة بالأحزاب القائمة، ووجود درجة عالية من الإنقسام في النظام الحزبي ودرجة عالية من عدم الاستقرار في الحكومات. بجانب خوف الجيش من نقص الميزانية وتقليص حجمه، أو وجود طموحات شخصية لبعض القادة. وشهدت بعض الحالات قيام الجيش بفرض سيطرته على الحياة السياسية من خلال إنشاء أحزاب تابعة له، أو مد سيطرته على المؤسسات المدنية أو على القطاع الاقتصادي.

قضايا العلاقات المدنية – العسكرية:

تختلف القضايا ذات الصلة بمعالجة العلاقات المدنية – العسكري باختلاف الأوضاع الخاصة بكل دولة، ومنها: من له الكلمة النهائية في تحديد الأولويات والمصلحة القومية، ميزانية الجيش، ولاية المحاكم العسكرية على العسكريين، شفافية الحصول على المعلومات مع ترتيبات للحفاظ على أسرار الجيش لكن مع سيطرة الحكومة على المدى الزمني للسرية، وضع النشاطات الأخرى للمؤسسة العسكرية تحت سيطرة المدنيين، عدم تسييس القادة العسكريين، الرقابة المدنية عبر البرلمان على المؤسسة العسكرية، التوازن بين الأمن الداخلي والخارجي ووضع ضوابط لتدخل الجيش في التأمين الداخلي، قرار الحرب، تصديق البرلمان على تعيين كبار قادة الجيش، شؤون الترقية والتعيين والعلاقات الخارجية للجيش في شؤون التدريب والتسليح.

كما قد تقتضي المعالجة النهائية للعلاقات المدنية-العسكرية أيضا دمقرطة الجيش ذاته، أي نشر ثقافة الديمقراطية داخله وإعادة هيكلة المؤسسة والقيام بعملية إصلاح مؤسسي شاملة داخله. 

وفيما يتصل بدور الجيش في حماية الدستور على وجه الخصوص، تشير حالات الانتقال المختلفة إلى أنه كلما ارتفعت شرعية الحكومات المنتخبة كلما تضاءلت حاجتها وحاجة البلاد إلى استدعاء الجيوش للحفاظ على الشرعية. ومن هنا فتقوية المؤسسات والثقافة الديمقراطية كانت في غاية الأهمية، ولم يتم بشكل عام منح الجيش مكانة مميزة في دساتير الدول التي شهدت انتقالا ناجحا نحو الديمقراطية.

لكن يجب القول أيضا أنه عادة لا تكون الجيوش غير مسيسة بنسبة 100 بالمائة، وإنما حتى في الدول الديمقراطية هناك مساحة سياسية للجيوش، ولذلك يكون التحدي المطلوب علاجه هو تحريك الجيش نحو استخدام القنوات العادية الشرعية للتأثير على عملية صنع القرار في الشؤون ذات الصلة بالجيش بدلا من القنوات غير الشرعية كالانقلابات العسكرية أو التأثير على السلطة المدنية المنتخبة.  

خامسا: الحالة المصرية:

من المعروف أن المؤسسة العسكرية في مصر هي التي أنشأت النظام الجمهوري وضمنت بقائه منذ 1952 وحتى ثورة 25 يناير، وهي التي أمدت الدولة بالكثير من المسؤولين بالمناصب العليا، بدءًا برؤساء الجمهورية ورؤساء البرلمان، مرورا بالوزراء وكبار المسؤولين والمحافظين ووكلاء الوزارات ومديري القطاعات المختلفة في الجهاز الإداري للدولة ورؤساء الهيئات والشركات الكبرى، وانتهاءً برؤساء الأحياء والمدن. بجانب أن للمؤسسة مصالح اقتصادية، فهي تمتلك مؤسسات اقتصادية كبرى تعمل في مجالات تمتد من التصنيع الحربي والنفط والسياحة والأسمنت إلى المياه المعدنية والسلع الغذائية وإدارة محطات الغاز بل وتنظيف البيوت. كما أن القانون (رقم 47 لعام 1978) يسمح لرئيس الجمهورية بتعيين المتقاعدين كموظفين في مناصب عليا مع إعفائهم من شرط التحقق من السلامة الصحية ومن اختبارات الكفاءة، وفي تعديل تم عام 1992 حصل الرئيس على حق إجراء تغييرات في شروط وفترة خدمة شاغلي الوظائف العليا. وفي قانون التقاعد العسكري رقم 90 لسنة 1975 الكثير من الإمتيازات الأخرى.    

وبعد قيام ثورة 25 يناير فوض الرئيس المخلوع المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة بلا أي سند دستوري، وفي واقع الأمر كانت سلطة المجلس العسكري هي سلطة الأمر الواقع، واكتسبت في أول الأمر قدرا من الشرعية على اعتبار أن القوات المسلحة لم تطلق النار على المتظاهرين، وأعلنت انحيازها للثورة. غير أن إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية شابها الكثير من العيوب، فمن الناحية السياسية تسرع المجلس وطرح فكرة التعديلات الدستورية وتم إجراء استفتاء شعبى عليها قبل إحداث توافق سياسى حولها أولا. وكانت النتيجة تصدير خلافات النخب والقوى السياسية إلى الشارع ما أدى إلى تقسيم الشارع وظهور استقطاب ايديلوجي حاد بين من يرون أن التصويت بنعم (إجراءات الانتخابات قبل الدستور) فيه حماية للمادة الثانية التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وبين من صوّت بلا (الدستور أولا ثم الانتخابات). دروس التحول الديمقراطي تؤكد على أن من أبجديات التحول الديمقراطى إحداث أكبر قدر ممكن من التوافق قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فاللجوء إلى الناخبين لا يكون لحسم خلافات النخب وإنما للحصول على الدعم الشعبى لما تتوافق عليه القوى السياسية التى من المفترض أن تعبر عن أولويات الثورة ومطالب الشعب.

 ويبدو أن المجلس العسكري لم يفهم الحالة الثورية جيدا، واختار وجود حكومات ضعيفة بلا صلاحيات حقيقية (حكومتا عصام شرف وكمال الجنزوري). وقد ترتب على هذا فشل المجلس والحكومة في التعامل مع المطالب الاجتماعية، وتحقيق بعض مطالب الثورة تحت الضغوط الشعبية، وكأن المجلس العسكري يقول للناس تظاهروا حتى نلبى لكم مطالبكم. ومن الناحية الأمنية، لم يستطع المجلس العسكري إعادة الأمن إلى الشارع، ولم يقم بعملية إصلاح حقيقية داخل جهاز الشرطة. ولأن الإعلام الحكومي لم تصله عملية الإصلاح أيضا، فقد قامت أجهزة الإعلام الرسمية بتأجيج المشاعر وتوسيع فجوة عدم الثقة بين المواطنين. وقد تراكم على هذا كله التباطؤ في معالجة ملف المحاكمات ما أدى إلى مزيد من الاحتقان والغضب. ثم امتد الخطر إلى المؤسسة العسكرية والأمن القومى المصرى بعد إقحام الشرطة العسكرية فى صدام مع الثوار وسقوط شهداء فيما عرف بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو. وقد أدى هذا كله إلى تآكل شرعية المجلس العسكري وارتفاع الشعارات المنادية بإسقاط حكم العسكر، بل وصار الهجوم على رموز المؤسسة العسكرية من الأمور العادية على صفحات الإنترنت.

وبعد مرحلة انتقالية امتدت لنحو ونصف وشهدت فيها مصر الكثير من التخبط السياسي والانفلاتات الأمنية والاحتجاجات الجماهيرية، وصلت مصر، قبيل انتهاء المرحلة الانتقالية التي حددها المجلس العسكري – تحت ضغط شعبي قوي - بآخر شهر يونيو 2012، إلى مرحلة حرجة، إذ ظهرت مجموعة من القرارات في توقيتات حرجة للغاية، توحي جميعها بوجود رغبة في وقف المسار السياسي وبناء المؤسسات الديمقراطية، بدأت يوم 13 يونيو بقرار من وزير العدل رقم 4991/2012 بإعطاء حق الضبطية القضائية لأعضاء الشرطة العسكرية والمخابرات العامة (والذي أوقفته محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في 26 يونيو)، ثم قرار حل مجلس الشعب بناءً على حكم المحكمة الدستورية العليا في 14 يونيو بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب (والذي سحبه الرئيس المنتخب محمد مرسي في 8 يلويو 2012 ثم رفضت المحكمة الدستورية العليا قرار الرئيس وطالبته بسحبه في 10 يوليو). ثم استكملت هذه القرارات بإصدار المجلس العسكري إعلانًا دستوريًا مكملا ونشره بالجريدة الرسمية في اليوم الثاني لجولة الإعادة لانتخابات الرئاسة (17 يونيو) دون أي تشاور أو تنسيق مع القوى السياسية. وبموجب الإعلان، انتزع المجلس العسكري بعض صلاحيات الرئيس الأساسية، واستعاد سلطة التشريع، وأسند لنفسه صلاحيات واسعة في تشكيل الجمعية التأسيسية وفي وضع الدستور القادم في حال فشل التشكيل الثاني الحالي، فضلا عن إقحام المحكمة الدستورية العليا في موضوع سياسي محض كموضوع الدستور، بإعطائها حق الفيتو على الدستور وإلزام جميع الأطراف برأي المحكمة.

قرارات المجلس العسكري الأخيرة تتعارض كلية مع مدنية الدولة، وتهدد مسار الانتقال إلى الديمقراطية، وتفرغ الديمقراطية المصرية المنشودة من مضمونها قبل أن نصل إليها فالديمقراطية في جوهرها تعني عدم وجود أي سلطة غير منتخبة فوق سلطة المؤسسات المنتخبة (البرلمان والرئيس). وقد أدت هذه الأمور إلى اشتعال الشارع من جديد حتى بعد الإعلان عن نتائج جولة الإعادة وفوز مرشح حزب الحرية والعدالة بمنصب الرئيس. هذا بجانب انتقال معظم هذه الخلافات السياسية إلى ساحات المحاكم بدرجاتها المختلفة ما أضاف على المشهد الحالي انقساما جديدا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية المنتخبتين من جهة وبين سلطة القضاء من جهة أخرى.

والأخطر من هذا هو أن سلوك المجلس العسكري قد يعرض المؤسسة العسكرية المصرية، وهي مؤسسة وطنية منذ نشأتها، إلى عملية تسييس مفتوح لا يعلم إلا الله مداها، إذ أدخل المجلس العسكري مؤسسة الجيش بشكل مباشر في صراع سياسي مع القوى السياسية بذات الطريقة التي لجأ لها الرئيس السابق عندما سيس مؤسسة الأمن لينتهي الأمر بنهاية مآساوية لهذه المؤسسة يوم 25 يناير. أخطار هذا التسييس المفتوح لمؤسسة الجيش ستكون أكبر وسيكون لهذا التسييس نتائج سلبية، محلية واقليمية، قد تمتد لسنوات بل وعقود.    

بالطبع كان بإمكان المجلس العسكري أن يقود المرحلة الانتقالية لو توفرت له إرادة حقيقية ومهارات الإدارة والقيادة أو وجد أمامه تحالف مدني قوي يقود مطالب الثورة ويدفع العسكريين دفعا إلى مسار حقيقي للانتقال. ولو اطلع المجلس العسكري على حالات الانتقال الأخرى واستمع للخبراء الثقاة لكان قد عرف أنه كان بإمكانه منفردا تحقيق مطالب الثورة وبالتوافق مع قوى الثورة كما حدث من الجيش بالبرازيل وكوريا الجنوبية. وكان بإمكانه أيضا أن يُشرك كافة القوى الرئيسة في وضع ملامح المرحلة الانتقالية بحيث لا يصدر قرار أو قانون إلا بتوافق حقيقي بين هذه القوى (كما حدث بشكل أو بآخر في بولندا وجنوب أفريقيا وبنين والسنغال وغيرها).

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تجارب الدول الأخرى في شأن وعود المؤسسة العسكرية تشير إلى أن الحالات التي يعلن فيها الجيش عن رغبته في ترك السلطة ويترك فعلا حالات نادرة، وفي الحالات التي لا يعلن فيها الجيش عن رغبته في ترك السلطة لكنه يبدي رغبته علانية في إقامة وضع دائم للجيش هي حالات شائعة، لكن غالبا ما تفشل في النهاية.  

ومن الأمور الإيجابية أنه ليس للجيش تراث في انتهاكات حقوق الإنسان وقمع الحريات، عدا مسألة المحاكمات العسكرية، كما يتمتع الجيش بسمعة وطنية عالية في شؤون الأمن القومي والمخابرات. لكن في المقابل هناك عدد من المصالح للجيش، أهمها الدور الاقتصادي الواسع، ومسألة الخوف من الملاحقة القضائية، وموقع المؤسسة العسكرية في الدستور الجديد من ناحية التشريعات ولا سيما المتصلة بها بالشؤون الأمنية ومن ناحية الميزانية ومن ناحية حماية الشرعية الدستورية.

وفيما يتصل بالعامل الخارجي، في الحالة المصرية، وعلى عكس الحالة التونسية إلى حد كبير، ثمة اهتمام خارجي أكبر بدور مصر المستقبلي، ولاسيما توجهات السياسة الخارجية المصرية ودور الجيش في وضع أولويات هذه السياسة، ومستقبل العلاقة مع الكيان الإسرائيلي.

ولعل المشكلة الأهم أمام معالجة العلاقات المدنية العسكرية هي وجود قوى سياسية منقسمة سياسيًا وايديولوجيًا، ولا ترى خطورة من التفرغ لمشاريعها الخاصة قبل الانتقال، أو تصور بعضها أنها قادرة بمفردها على حسم هذه العلاقات.

بالإستناد إلى تجارب الدول الأخرى وبأوضاع مصر، يمكن القول أن معالجة تحديات مرحلة الانتقال تتطلب بذل كل الجهد للوصول إلى أكبر قدر ممكن من التوافق بين الأحزاب السياسية الممثلة بالبرلمان والقوى الوطنية الأخرى المؤثرة خارج البرلمان، وصولا إلى تشكيل تحالف وطني واسع أو مظلة وطنية واسعة، وربما يعتمد هذا التحالف صيغة حكومة الوحدة الوطنية. فهذه الصيغة مجربة تاريخيًا في الدول التي شهدت انقسامًا من نوع ما، بل تم تقنينها والتوافق عليها بين الفرقاء السياسيين في أول حكومة بعد أول انتخابات ديمقراطية في جنوب افريقيا عام 1994.

 وأعتقد أن الفرصة سانحة للرئيس المنتخب محمد مرسي لقيادة هذه الحكومة وتشكيل فريق رئاسي وحكومة إئتلافية موسعة ستكون قادرة على تحقيق عدة وظائف في التعامل مع التحديات المختلفة، إذ سيساهم الجميع في معالجة الإرث الثقيل للنظام البائد وبناء الإنسان المصري الجديد ومصر الجديدة، وتشرف مؤسسة الرئاسة والحكومة على الاستحقاقات السياسية القادمة (وضع الدستور ثم إجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية). هذه مهام لا يمكن تصور أن يقوم بها فصيل واحد، وهي أيضا لا تحتمل تنافس الأحزاب المختلفة بشأنها إن داخل البرلمان أو خارجه. 

ومؤسسة الرئاسة والحكومة الموسعة ستوفر بديلا وطنيًا يُعتمد عليه في قيادة البلاد، ويتسم بأنه غير اقصائي وغير منفرد بحسم المسائل الجوهرية، ويمكن الإطمئنان له وتسليمه السلطة في ظل نظام حزبي توافقي إلى حد ما وغير منقسم على نفسه.

وعند وضع الدستور لا يجب تقديم تنازلات تقنن سيطرة الجيش، وكبديل يجب التمسك بما كان موجودا في دستور 1971. وهذا أمر محوري فأي تنازلات الآن ستصعب كثيرا معالجة الأمر في المرحلة التالية بعد الانتقال. والتمسك بهذا الأمر يمكن حدوثه على يد تحالف وطني واسع وليس من قبل فصيل واحد أو بعقد اتفاقات غير معلنة. ويجب هنا إدراك أنه لا يمكن حسم كافة أبعاد العلاقات المدنية العسكرية ووضع الجيش في النظام الجديد مرة واحدة، ففتح كل الملفات سيوتر العلاقة وقد يدفع الجيش إلى عرقلة الانتقال بأكمله.

وثمه ثلاثة عوامل على الأقل لنجاح معاجلة العلاقات المدنية/ العسكرية في مصر بعد انتخاب الرئيس الجديد وتشكيل الفريق الرئاسي والحكومة الموسعة، الأول يتوقف على موقف المجلس العسكري من الرئيس الجديد، ولا أعني هنا مجرد تعبير المجلس العسكرى عن انحيازه للثورة والديمقراطية، وإنما يتطلب الأمر تقديم المجلس العسكرى الدعم الكامل والمباشر والصريح للرئيس، وتسليمه جميع صلاحياته التى قيدها الإعلان المكمل، وقناعة أعضائه بضرورة معالجة العلاقات المدنية ــ العسكرية وإخراج الجيش تدريجيا من السياسة وتحويله لمؤسسة محترفة تقوم بدورها الحقيقى فقط. حدث هذا الأمر بالدول التى شهدت تحولا ديمقراطيا ناجحا كإسبانيا والكثير من دول أمريكا اللاتينية، ولو حدث فى مصر فسيضمن نجاح التحول الديمقراطى، وسيضمن إنقاذ الجيش ذاته من الزج به فى صراعات سياسية، وحفظه كمؤسسة وطنية قوية من حيث التدريب والتسليح والاستعداد.

 أما العامل الثانى فيرتبط بقناعة الرئيس والمؤسسات المنتخبة والنخب السياسية بخطورة تسييس الجيش واللجوء إليه لحسم خلافات القوى السياسية، أو عقد الصفقات معه. هذه خطوط حمراء وفشل النخب فى تجنبها كان عاملا أساسيا لفشل الديمقراطية فى باكستان والجزائر ونيجيريا وغيرها.

والعامل الأخير هو وجود خبراء حقيقيين من الطرفين المدني والعسكري أثناء هذه المعالجة، أي الإستعانة بالمتخصصين في قضايا التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسست الديمقراطية من جهة وفي مسائل الأمن القومي والإستراتيجية العسكرية من جهة اخرى. 

ومجمل القول، في مرحلة التحول الديمقراطي وفي ظل حكومة وطنية موسعة تقوم على قدر كبير من التوافق وتحظى بدعم قوي في البرلمان وبتأييد شعبي واسع، يمكن إرساء القواعد التي تحدثنا عنها سابقا بشأن وجود مؤسسة عسكرية محترفة ويمكن معالجة مسألة العلاقات المدنية العسكرية بقدر كبير من الحكمة وعلى وضع يحافظ على وحدة وإستقلالية المؤسسة العسكرية وعلى ميزانياتها وعلى كل ما من شأنه رفع جاهزيتها للقيام بدورها المقدس في الدفاع عن الوطن. إن الحفاظ على وضع الجيش بالدستور الجديد كما كان بدستور 1971 هو الخطوة الأولى، أما بقية المسائل فيجب أن تحل تدريجيا وبإرادة الطرفين وبوجود خبراء حقيقيين من الطرفين. وارتكاب الأخطاء هنا قد ينتج عنه مخاطر كثيرة على التحول الديمقراطى وعلى وحدة وجاهزية الجيش فى منطقة مليئة بالصراعات أصلا.

عبدالفتاح ماضي، ورقة "العلاقات المدنية- العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي"، مؤتمر تحولات الديمقراطية في العالم العربي، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، بيروت، 28 يونيو 2012.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث