السبت، 7 جمادى أخر 1439 - 24 شباط / فبراير 2018
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية بحوث ودراسات Research أعمال منشورة كتاب الدين والسياسة في إسرائيل- د. عبدالفتاح ماضي

كتاب الدين والسياسة في إسرائيل- د. عبدالفتاح ماضي

طباعة

تقييم المستخدم: / 2
ضعيفجيد 

religionpoliticsinisrael1999

عبدالفتاح ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل: دراسة في الأحزاب والجماعات الدينية في إسرائيل ودورها في الحياة السياسية، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1999 (618 صفحة).

Abdel-Fattah Mady, Religion and Politics in Israel: A Study of the Religious Parties and Groups and  their Political Role in Political Life (Madbouli Library, Cairo: Egypt, 1999). 618 pages

بعض الروابط العربية عن الكتاب: المعرفة - Google Books - الفهرست العربي الموحد - مكتبة النيل والفراتروافد ثقافية -  موقع المنار.

For book record at Library of Congress, press here

محتويات الكتاب

التقديم

مضامين الكتاب

تفصيل مضامين الكتاب

المقدمة

الباب الأول : فى البناء الاجتماعى – الإقتصادى والسياسى فى "إسرائيل"

تمهيد

الفصل الأول: فى البنيان الإجتماعى الإقتصادى فى "إسرائيل"

- دهليز

- المبحث الأول : الكيان الإجتماعى

* المطلب الأول: البنية الإجتماعية – العرقية الحالية لسكان "إسرائيل"

أولاً : اليهود الغربيون (الأوربيون والأمريكيون)

ثانيًا : اليهود الشرقيون

ثالثاً : يهود الصابرا (الصباريم)

رابعًا : العرب

* المطلب الثانى : المصادر الديمغرافية للسكان

أولاً : يهود فلسطين قبل موجات هجرة الجماعات اليهودية

ثانيًا : هجرة اليهود الشرقيين قبل عام 1948

ثالثًا : هجرة يهود أوربا وأمريكا قبل عام 1948

رابعًا : هجرات ما بعد قيام الدولة

خامسًا : الهجرة المعاكسة وآثارها على الدولة

* المطلب الثالث :العلاقة بين الطوائف والفئات المختلفة فى المجتمع الصهيونى

أولاً : التمييز ضد اليهود الشرقين

ثانيًا : التمييز ضد العرب فى "إسرائيل"

- المبحث الثانى :الملامح الرئيسية للإقتصاد الإسرائيلى

* المطلب الأول : نشأة اقتصاد الجماعات اليهودية فى فلسطين

* المطلب الثانى : السمات العامة للإقتصاد الإسرائيلى

* المطلب الثالث : الدعم الخارجى للدولة

أولاً : التعويضات الألمانية

ثانياً : الدعم الأمريكى

الفصل الثانى : فى قوى الحياة السياسية فى "إسرائيل"

- دهليز

- المبحث الأول : الأيديولوجية الرسمية للدولة : الصهيونية السياسية

* المطلب الأول : تعريف الصهيونية السياسية

* المطلب الثانى : العوامل التى هيأت لظهور الفكرة الصهيونية فى القرن التاسع عشر

* المطلب الثالث : الأسانيد الدينية والتاريخية التى ارتكزت إليها الحركة الصهيونية

- المبحث الثانى :المؤسسات الرسمية للدولة

* المطلب الأول : الإطار الدستورى لمؤسسات الحكم

* المطلب الثانى :السلطة التشريعية

* المطلب الثالث : السلطة التنفيذية

* المطلب الرابع :الملامح الرئيسية لمؤسسات الحكم بعد القانون الأساسى الجديد للحكومة (1992)

* المطلب الخامس: المؤسسة القضائية

- المبحث الثالث :القوى اللارسمية للحياة السياسية

* المطلب الأول : الأحزاب السياسية

أولاً : السمات العامة للأحزاب السياسية

ثانيًا : الأحزاب والتكتلات الحزبية الحالية

* المطلب الثانى : جماعات الضغط أو المصالح

أولاً : النقابات العمالية

ثانيًا : دورالعسكريين كجماعة ضغط فى الحياة السياسية

ثالثًا : المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية

رابعًا: حركات "السلام"

الباب الثانى : فى الأحزاب والجماعات الدينية فى "إسرائيل" ودورها فى الحياة السياسية

تمهيد

الفصل الأول: فى الجذور الأيديولوجية للأحزاب والجماعات الدينية

- دهليز

- المبحث الأول : موقع الدين فى بناء الصهيونية السياسية

- المبحث الثانى : التيارالأرثوذكسى:اليهودية الأرثوذكسية، واليهودية الحسيدية

- المبحث الثالث :الصهيونية الدينية

- المبحث الرابع : الأرثوذكسية المتشددة

الفصل الثانى: فى نشأة الأحزاب الدينية وتطورها التنظيمى

- دهليز

- المبحث الأول : الحركات والأحزاب الدينية الصهيونية

- المبحث الثانى : الحركات والأحزاب الدينية المعارضة للصهيونية

الفصل الثالث: فى الدين والدولة فى "إسرائيل"

- دهليز

- المبحث الأول : رؤية "بن غويون" للعلاقة بين الدين والدولة

- المبحث الثانى : إتفاقية الوضع الراهن (1947)

- المبحث الثالث : سيطرة الدولة على المؤسسات الدينية

- المبحث الرابع : تشكيل "دين مدنى" للدولة مستمد من الدين التقليدى

الفصل الرابع: فى دور الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية

- دهليز

- المبحث الأول : القوة التمثيلية للأحزاب الدينية فى الكنيست

- المبحث الثانى : دورالأحزاب الدينية فى الحياة السياسية

* المطلب الأول : دور الأحزاب الدينية فى تشكيل الإئتلافات الحكومية

المرحلة الأولى:

دور الأحزاب الدينية فى الإئتلافات الحكومية فى الفترة من 49-1951م

الأحزاب الدينية – مجتمعةً – شريكة مع حزب الماباى فى الإئتلافات الحكومية:

الأول والثانى والثالث

1 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست الأول 49- 1951م

2 – الإئتلاف الحكومى الثالث فى السنة الأولى من عمرالكنيست الثانى1951

المرحلة الثانية :

دورالأحزاب الدينية فى الإئتلافات الحكومية فى الفترة من 51-1977م

المفدال حليف رئيسى للماباى، أغودات فى المعارضة، ومشاركة محدودة لبوعالى أغودات فى الإئتلافات الحكومية من الرابع حتى الثالث عشر

1 – الإئتلافات الحكومية خلال فترة السنوات الثلاث الأخيرة من عمرالكنيست الثانى 52- 1955م

2 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست الثالث 55- 1959 م

3 – الإئتلاف الحكومى خلال فترة الكنيست الرابع 59 – 1961م

4 – الإئتلافات الحكومية خلال فترة الكنيست الخامس 61- 1965 م

5 – الإئتلافات الحكومية خلال فترة الكنيست السادس 65- 1969م

6 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست السابع 69- 1973م

7 – الإئتلافات الحكومية خلال فترة الكنيست الثامن 73- 1977م

المرحلة الثالثة

دور الأحزاب الدينية فى الإئتلافات الحكومية فى الفترةمن 77 – 1995م

مرحلة تبدل التحالفات : المفدال وأغودا وشاس مع ليكود، ثم شاس مع العمل

1 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست التاسع 77- 1981م

2 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست العاشر 81-1984م

3 – الإئتلاف الحكومى خلال فترة الكنيست الحادى عشر 84- 1988م

4 – الإئتلافان الحكوميان خلال فترة الكنيست الثانى عشر 88- 1992م

5 – إئتلاف العمل، ميرتس، شاس خلال فترة الكنيست الثالث عشر 92-1995م

المرحلة الرابعة:

دور الأحزاب الدينية بُعيد إنتخابات الكنيست الرابع عشر 1996:

جميع الأحزاب الدينية شريكة لأحزاب اليمين فى حكومة أول رئيس وزراء منتخب

1 – إنتخابات رئاسة الحكومة، وإنتخابات الكنيست الرابع عشر (1996م)

2 – حكومة بنيامين نتانياهو: 18 يونيو 1996م

* المطلب الثانى: موقف الأحزاب الدينية من المسائل التى تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"

أولاً : الدستور

ثانيًا : مسألة "من هواليهودى ؟ "

ثالثًا : السبت

رابعًا : التعليم

خامسًا : الخدمة العسكرية

سادسًا : المرأة

سابعًا : الزواج المختلط

ثامنًا : الأطعمة والذبائح

تاسعًا : الآثار والحفريات

عاشرًا : تشريح الجثث وزراعة الأعضاء

حادى عشر: حائط البراق (المبكى)

ثانى عشر: مقتل "إسحاق رابين"

الفصل الخامس: فى الحركات والجماعات الدينية غير الحزبية ودورها فى الحياة السياسية

- دهليز

- المبحث الأول : الحركات والجماعات الدينية الصهيونية

* المطلب الأول : حركة "كتلة الإيمان : غوش أُمونيم"

* المطلب الثانى : حركة "هكذا: كاخ"

* المطلب الثالث : حركة "الوسط الدينى: ميماد"

- المبحث الثانى : الحركات والجماعات الدينية المعارضة للصهيونية

* المطلب الأول : حركة "حباد" الحسيدية

* المطلب الثانى : حركة "الطائفة الحريدية"

* المطلب الثالث : حركة "حراس المدينة : ناطورى كارتا"

الخاتمـــة

قائمة الملاحق:

1 – أهم الأحداث التاريخية المتصلة ببنى إسرائيل القدماء، والجماعات اليهودية فى العالم، ودولة "إسرائيل"

2 – التيارات المختلفة التى ظهرت بين مفكرى اليهود وعامتهم بعد حركات التحرير والمساواة التى تعرضت لها الجماعات اليهودية إبان عصر النهضة والإحياء فى أوربا

3 – الرد على الأسانيد الدينية والتاريخية للفكرة الصهيونية

مصادر الكتاب

*****

 

مقدمة الكتاب

قام النموذج المعاصر للدولة القومية فى أوربا على أساس الفصل بين الدين والدولة، وإستبعاد عنصر الدين كليةً من أسس التنظيم السياسى فيها. ففى أعقاب الثورة الفرنسية الكبرى (1789م)، ظهرت الدولة العلمانية كرد فعل على تجاوزات الكنيسة الكاثوليكية طوال القرون الوسطى فى أوربا، وذلك إستناداً إلى مبادئ عدة أبرزها: الفصل فيما بين سلطة الكنيسة الروحية وبين سلطة الدولة الزمنية، والحرية الفردية، والمساواة بين الأفراد جميعاً بغض النظر عن أصولهم السلالية واللغوية أو مكانتهم الإجتماعية والإقتصادية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العامل الدينى يمثل المقوّم الرئيسى لما أسمته الحركة الصهيونية "القوميةاليهودية" فى "إسرائيل"، بل وتكاد هذه الأخيرة تنفرد دون غيرها من الدول القومية المعاصرة بإستنادها إلى ذلك المقوّم كعامل مهيئ لتجانسها "القومى". لقد استندت الحركة الصهيونية – فى القرن التاسع عشر– إلى عنصر الدين جاعلةً منه ركيزةً أساسية فى بناء دولتها المنشودة، وراحت – فى الآن نفسه – تتقنع بالإيمان بفكرة "الولاء القومى" بهدف تحقيق المصالح الذاتية لليهود، وذلك على اعتبار أن فى الأخذ بهذه الفكرة مايكفل تجنيب اليهود عمليات الإضطهاد التى كانوا يتعرضون لها فى المجتمعات الأوربية بسبب إنتمائهم الدينى. ذلك فضلاً عن إتخاذ الحركة الصهيونية من هذه الفكرة مبرراً تؤيد به مطالبها بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين. ومن هنا يبدو التناقض العميق بين المرتكزات الفكرية التى قامت عليها الحركة الصهيونية، وبين فكرة القومية.

وهكذا، أدرك رواد الحركة الصهيونية – التى هى حركة سياسية بأهدافها ووسائلها – أهمية توظيف عنصر الدين فى تحقيق أهداف حركتهم. ولهذا، فقد كان الدين أحد أساليب الصهيونية فى مد جسور التفاهم مع يهود شرق أوربا، ولا سيما المتدينين منهم، بهدف إستمالتهم لمساندة أهداف الحركة الصهيونية وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. ولعل فى رموز وشعارات وأعياد الحركة (ثم الدولة بعد عام 1948) مايؤكد ذلك التوظيف.

وقد شكل اليهود المتدينون أحزاباً وحركات سياسية إستناداً إلى "اليهودية الأرثوذكسية"، التى تُعد الركيزة الأيديولوجية لهذه الأحزاب والحركات. لقد أطلق اليهود الإصلاحيون- فى أواخرالقرن الثامن عشر- وصف "الأرثوذكسية" على اليهود المتدينين أنصار العقيدة اليهودية التلمودية بقصد إظهارهم بأنهم أصحاب العقيدة المتشددة، وقد تقبل هؤلاء هذا الوصف فى البداية، بيد أنهم يفضلوا فى الوقت الحاضر اسم "اليهودية المصدّقة للتوراة". ولقد كان من جرّاء الخلاف الذى نشب بين أنصار التيار اليهودى الأرثوذكسى إزاء موقفهم من الفكرة الصهيونية، أن انقسم هذا التيار إلى فريقين رئيسيين:

- الفريق الأول: اليهودية الأرثوذكسية المعترفة بالصهيونية، وبدولة "إسرائيل"، وهى التى سُميت "الصهيونية الدينية". ويتسم هذا الفريق بالخروج على الفكرة التى آمن بها عامة اليهود والداعية إلى إنتظار المسيح بهدف قيادة اليهود نحو فلسطين لإقامة "مملكة إسرائيل"، وبالإيمان – بدلاً من ذلك – بفكرة الحركة الصهيونية الداعية إلى عدم إنتظار المسيح والإعتماد على عمل اليهود أنفسهم بهدف "العودة" إلى فلسطين لإقامة الدولة. ومن الأحزاب الممثلة لهذا الفريق: "الحزب الدينى القومى: المفدال"، والأحزاب المنشقة عليه.

- الفريق الثانى: اليهودية الأرثوذكسية المتشددة، وهى التى لاتعترف لا بالصهيونية ولا بالدولة، وترى أن خلاص اليهود لايمكن أن يتم بجهود بشرية وإنما على يد "المسيح المخلص" الذى سيرسله "الرب" للقيام بهذا العمل. ومن بين القوى الممثلة لهذا الفريق حزب "رابطة إسرائيل: أغودات يسرائيل"، والأحزاب المنشقة عليه.

وتلتقى الأحزاب الدينية فى "إسرائيل" على جملة من المبادئ والأهداف، لعل أبرزها: تبنى الرؤية الأرثوذكسية فى تعريف اليهودى، ومراعاة التعاليم الدينية فى الدولة، وإستمرار تدفق الإعتمادات المالية الحكومية على مؤسسات ومدارس التيار الدينى. وتشير الملاحظة إلى أن لهذه الأحزاب دوراً فاعلاً فيما يتصل بعملية صنع القرار السياسى على وضع يفوق قوتها التمثيلية فى الكنيست، ذلك بأنه فى حين لم يزد عدد المقاعد التى احتلتها هذه الأحزاب – مجتمعةً – عن ثمانية عشر مقعداً طوال الفترة من عام 1949 حتى العام 1992 (وثلاثة وعشرين مقعداً عام 1996 من جملة عدد مقاعد الكنيست البالغة مائة وعشرون مقعداً)، فإن كافة الحكومات الإسرائيلة التى تألفت من عام 1949 حتى عام 1996 لم تخل من مشاركة أحزاب دينية.

هذا، وتتعرض الأحزاب الدينية فى "إسرائيل" للعديد من الإنشقاقات والإنقسامات التى تلعب فيها الأبعاد الطائفية والخلافات ذات الصبغة التنظيمية دوراً رئيسياً شأنها فى ذلك شأن بقية الأحزاب السياسية الأخرى. ومن هنا فقد ظهرت عدة أحزاب دينية منشقة على الحزبين الرئيسيين: "المفدال" و "أغودات يسرائيل"، راحت تحتل موقعاً مرموقاً فى الحياة السياسية هناك على وضع يفوق دور هذين الحزبين الرئيسيين. ومن هذه الأحزاب: حزب "حراس التوراة الشرقيين: شاس"، وحزب "راية التوراة: ديغيل هيتوراه"، وحزب "قائمة تقاليد إسرائيل: تامى"، وحزب "التراث: مورشاه".

وبجانب هذه الأحزاب الدينية المشاركة فى عملية صنع القرار السياسى من ثنايا خوضها للإنتخابات البرلمانية، ومشاركتها فى الحكومات الإئتلافية، فإن ثمة جماعات وكتل دينية أخرى ترفض خوض الإنتخابات البرلمانية، ولا تعترف بالصهيونية لأنها خروج عن اليهودية وكفر بها، وتدعو إلى إزالة الدولة لأنها تدنيس لاسم الرب، وتجاوز لتعاليمه. ومن هذه الجماعات جماعة "حراس المدينة: ناطورى كارتا". هذا فضلاً عن وجود جماعات دينية يمينية أخرى تمارس العنف والإرهاب ضد العرب، وتشجع عمليات مصادرة أراضى العرب وإستيطان اليهود فيها، ولا تشارك فى الإنتخابات البرلمانية. ولعل أهم هذه الجماعات: "كتلة الإيمان: غوش أُمونيم"، وحركة "كاخ".

وإنطلاقاً مما سبق، تستهدف هذه الدراسة التعريف بالأحزاب والجماعات الدينية فى "إسرائيل"، والكشف عن حقيقة الدور الذى تضطلع به فى التأثير على عملية رسم السياسات العامة، وبالتالى على عملية صنع القرار السياسى، وكذا عن مدى التوافق بين قوة الأحزاب الدينية التمثيلية فى الكنيست، وبين دورها فى الحياة السياسية. وإستناداً إلى هذا التصور، فإنه يمكن أن نتوصل إلى هدف هذه الدراسة فى ثنايا الإجابة عن التساؤلات التالية:

1 – ما موقع الدين فى بناء الأيديولوجية الرسمية للدولة (الصهيونية السياسة)؟

2 – ما موقف اليهود المتدينين فى شرق أوربا من الفكرة الصهيونية وقت ظهورها أواخر القرن التاسع عشر؟ وكيف كان رد فعل هؤلاء حينما قامت الدولة عام 1948؟

3 – ما هى الملامح الرئيسية لشكل العلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"؟

4 – ما حجم الدور الذى تلعبه الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية؟ وهل يتوافق هذا الدور مع قوتها البرلمانية؟. وهذا بدوره يتطلب الإجابة عما يلى:

- كيف نشأت هذه الأحزاب؟، ومن هم قادتها؟

- ما هى برامجها؟، ومن هم أعضاؤها؟

- من هم المصوتون لهذه الأحزاب؟ وكم عددهم؟ وأين يقطنون؟

- ما حجم القوة البرلمانية لهذه الأحزاب؟

- ما حجم مشاركة هذه الأحزاب فى الحكومات الإئتلافية التى تُشكل دوماً فى "إسرائيل"؟، وما الدور الذى تلعبه هذه الأحزاب فى بقاء أو إنهيار تلك الحكومات؟، وما هى مكاسب هذه الأحزاب من جرّاء تلك المشاركة؟

- ما موقف هذه الأحزاب من المسائل التى تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"؟.

5 – ما الدور الذى تلعبه الجماعات الدينية غير الحزبية فى الحياة السياسية؟

ولما كانت الأحزاب والجماعات الدينية تمارس نشاطاتها الفعلية فى الحياة السياسية فى إطار بيئة اجتماعية معينة، فقد إرتأينا أن نُمهّد لحديثنا عن هذه الأحزاب والجماعات بعرض يشمل الملامح الرئيسية للبناء الإجتماعى والسياسى والإقتصادى فى "إسرائيل"، والذى يمثل الحد الأدنى اللازم لهدف الدراسة.

ولأننا سنعرّف بالأحزاب والجماعات الدينية، وبدورها فى الحياة السياسية فإننا سنتناول بالتحليل، فى هذه الدراسة، مواقف اليهود المتدينين من الفكرة الصهيونية وردود أفعالهم عليها من جهة، والنشاطات والأدوار الفعلية التى تُمارسها هذه الأحزاب والجماعات فى الحياة السياسية من جهة أخرى. تلك النشاطات والأدوار التى تُمارس من خلال خوض الإنتخابات البرلمانية والمشاركة فى الحكومات الإئتلافية بالنسبة للأحزاب، أو من ثنايا مجرد الضغط على (أو مساندة) سياسات الحكومة بالنسبة للجماعات غيرالحزبية.

غير أنه يتوجب علينا – فى ختام هذه المقدمة، وقبل أن نلج فى صلب موضوعنا – أن نشير إلى ثلاثة أمور اعتبر أنها تمثل حقائق يجب ألا تغيب عنا، نحن الباحثون العرب، وهى تمثل فى الآن نفسه النقيض لما تروجه الأجهزة الإعلامية الصهيونية فى داخل "إسرائيل" وخارجها، وكذا العديد من الدوائر الغربية. ولسوف تثبت هذه الدراسة – بعون الله – بعضاً من هذه الحقائق، وهذه الأمور هى:

أولاً : ان للفظة "الدولة" مدلولاً إصطلاحياً فى لهجة المعرفة السياسية، حيث تشير إلى المجتمع السياسى، بعناصره الثلاثة: التجمع البشرى، والإقليم، والسلطة السياسية، وقد تراكمت عليه خصائص كيفية (معنوية) ثلاث هى: التنظيم القانونى للسلطة، السيادة، التجانس القومى، حيث أن لفظة "المجتمع" تعنى فى الإصطلاح التجمع البشرى الغريزى البحت، وقد تراكم عليه العامل السيكولوجى (أو عامل الفكرة)، الذى يعنى إحساس أعضاء الجماعة بذواتهم إزاء التجمع المنتمين إليه من ناحية، ووعيهم بالحياة الاجتماعية باعتبارها وسيلة إلى غاية هى الخير المشترك للجماعة من جهة أخرى. وثمة عوامل مادية مُهيئة لعامل الفكرة هذا أهمها ظاهرة إستقرار الجماعات البشرية بأقاليم معينة وما يرتبط بها من ظواهر (حال الظواهر الإقتصادية كتنظيم إستخدام الموارد المحدودة، وحال مفهوم "الوطن" ومفهوم "الوطنية")، كما أن قدرة الحياة الإجتماعية على الإستمرار تقتضى فوق ما تقدم قوة دافعة للمجتمع تحقق إنسـجامه فى الداخل، ومغالبته لغيره فى الخارج ألا وهى السلطة السياسية، وقد راحت تقوم فى ضمائر أعضاء الجماعة كإحتكار خيّر لأدوات العنف. وهكذا، فلكى نُطلق على جماعة ما عبارة "المجتمع السياسى" فلا بد من توفر: تجمع بشرى (بعنصريه المادى: التجمع الغريزى، والمعنوى: الوعى بالمصلحة العليا للجماعة)، وإقليم جغرافى (بعنصريه المادى: الإقليم كمجال جغرافى، والمعنوى: الإرتباط بالإقليم من حيث هو وطن الجماعة وأرض الآباء ودار السلام)، وسلطة سياسية (بعنصريها المادى: الإحتكار الفعلى لأدوات العنف المادى، والمعنوى: كون هذا الإحتكار شرعياً تبعاً لاستهدافه تحقيق الخير العام). والدولة هى الصورة التاريخية الراهنة من صور المجتمع السياسى، تلك الصور التى تطورت بعامل تطور صورة السلطة السياسية وصولاً إلى صورة السلطة المنظمة (الدولة) . ولئن كان الكيان السياسى– الذى أقامته الحركة الصهيونية فى فلسطين عام 1948 بدعم وتأييد قوى عالمية – يُنظر إليه على أنه "دولة"، حال بقية دول عالمنا المعاصر، التى لها سكان، وإقليم، وسلطة سياسية، فضلاً عن وجود مُعترف به دولياً من ثنايا إعتراف العديد من دول العالم بها، ومن خلال عضويتها فى منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، فإنه يتوجب علينا أن نسارع إلى التنويه إلى أنه لايمكن أن نتجاهل أو نتجاوز عن طبيعة ذلك الكيان أو نشأته التاريخية، فذلك التجاهل أو التجاوز هو ما يريده رواد الحركة الصهيونيـة وساسة الدولة من خلال ما صار يعرف بـ "التطبيع":

فالحركة الصهيونية نشأت أولاً، ثم راحت تُجنّد أنصاراً ومؤيدين لها فى أوساط الجماعات اليهودية فى أوربا، لتشرع – بعد ذلك وبدعم من بريطانيا فى الأساس- فى تهجيرهم إلى فلسطين، وتشكيل عصابات مسلحة منهم لإرهاب وطرد أصحاب البلاد الشرعيين، بل وقتلهم وإبادتهم. ولهذا فالحركة الصهيونية حركة إستعمارية نشأت فى أوربا كحل إستعمارى لما أسمته الحركة ذاتها – فى القرن التاسع عشر- المسألة اليهودية، ولذلك لا يمكن فهمها خارج إطار الحضارة الغربية. هذا فضلاً عن أن أهداف ومطامع الحركة الصهيونية فى إقامة دولة لليهود فى فلسطين قد التقت مع أهداف ومطامع القوى الإستعمارية الغربية فى إقامة حاجز بشرى غريب بين مشرق العالم العربى ومغربه يحول دون قيام خلافة إسلامية عربية تحل محل الخلافة الإسلامية العثمانية، تلك الأهداف والمطامع التى ارتبطت – أيضاً- بما سُمى الحركة الصهيونية غير اليهودية (الصهيونية المسيحية)، التى كانت من نتاج حركة الإصلاح الدينى البروتستانتى فى أوربا، والتى آمن أتباعها بحرفية الكتاب المقدس ووعود الرب لإبراهيم ويعقوب، وبأن عودة اليهود إلى فلسطين هى المقدمة لعودة المسيح المنتظر وقرب بداية العصر الألفى السعيد. وقد انتقلت أفكار هذه الحركة مع المهاجرين الأوربيين البروتستانت إلى أمريكا حيث ظهرت منظمات الحركة المسيحية الأصولية التى تؤمن إيماناً دينياً عميقاً بمساعدة "إسرائيل" وشعبها. وراحت الحركة الصهيونية فى سعيها هذا تُسخّر- بدأب متصل- أساطير دينية وإدعاءات تاريخية لخدمة أهدافها. أما "إسرائيل" فهى:

- كيان إستعمارى إستيطانى إحلالى (كما وصفها العالم الراحل جمال حمدان)، لأن إقليمها الجغرافى أُغتصب من أهله بعد عمليات قتل وإرهاب وتشريد، ولأن عنصرها البشرى تم جلبه من أوربا فى الأساس- ثم من العالمين العربى والإسلامى- دون أن يتسم بالتجانس السلالى أو اللغوى أو المذهبى. ولهذا، فهى – أيضاً- كيان عنصرى، لأنها تمارس كل صور التمييز العنصرى ضد الشعب الفلسطينى، صاحب فلسطين الشرعى، بل وضد اليهود الشرقيين أيضاً.

- وهى كيان وظيفى عميل، لأنها تعمل كأداة فى يد قوى استعمارية عظمى، حيث تقوم بدور الوكيل عن دول غربية "ليبرالية ديمقراطية" بهدف الحفاظ على المصالح الإستراتيجية لهذه الأخيرة. وهى تأخذ مقابلاً لذلك فى صورة دعم مادى ومعنوى من بريطانيا وألمانيا وفرنسا فى البداية ثم من الولايات المتحدة الأمريكية (كما يصفها الدكتور عبد الوهاب المسيرى).

- وهى كيان إستعمارى عسكرى توسعى، فبجانب عمالتها للقوى العظمى، فهى كيان توسعى، لأنها تفترض أحقيتها فى البقاء والتوسع ولو على حساب ماعداها من الشعوب، و "إسرائيل الكبرى" التى تمتد على حساب الغير هى هدف الصهيونية: وهى تُقنّع سياستها التوسعية تلك بأيديولوجيات متباينة مثل أيديولوجية المجال الحيوى وأيديولوجية الحدود التاريخية وأيديولوجية الحدود الطبيعية (كما كتب العالم الراحل محمد طه بدوى). ولتحقيق ذلك التوسع كان لابد أن يكون جيشها هو سكانها، وسكانها هم جيشها (كما كتب جمال حمدان)، وأن يكون "أمن الدولة" هو مشكلتها المحورية.

ولهذا، فـ "إسرائيل" – فى حقيقتها- كيان إستعمارى، إستيطانى، إحلالى، عسكرى، عنصرى، توسعى، عميل للقوى الإستعمارية الكبرى، تابع- إقتصادياً- لها، غريب- حضارياً- عن المنطقة العربية الإسلامية، وهى تُسخّر، فوق ذلك، مقولات دينية توراتية وتلمودية وإدعاءات تاريخية فى خدمة أهدافها ومطامعها. وبهذا التصور يجب أن ننظر إلى كافة الأمور المتعلقة بـ "إسرائيل" من أفكار وسياسات ومنظمات وأحزاب ومؤسسات، وغيرها.

ثانياً: إن الصهيونية تمثل أحد الحلول التى ظهرت وسط الجماعات اليهودية فى أوربا للمشكلات التى واجهتها هذه الجماعات فى أعقاب إنهيار النظم الإقطاعية وظهور حركات التحرير فى أوربا. وقد ظهرت بجانبها حلول أخرى كاليهودية الأرثوذكسية واليهودية الإصلاحية ثم اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية، وغيرها. ونظراً لأن الحركة الصهيونية قد تحالفت مع القوى الاستعمارية الغربية الكبرى فى القرن التاسع عشر من جهة، واستغلت- بدأب متصل- عدة أساطير دينية وتاريخية فى دعوتها من جهة أخرى، فقد استطاعت الهيمنة على بقية الحركات اليهودية الأخرى وإنشاء دولة لليهود فى فلسطين. ولهذا، يجب التمييز بين الصهيونية كفكرة وكحركة سياسية، وبين ما عُرف بالديانة اليهودية، فالصهيونية حركة سياسية ظهرت بين يهود أوربا كحل لمشكلة معينة واجهت هؤلاء اليهود وقد ظهرت على الدعوات اليهودية الأخرى بهدف سياسى هو إنشاء دولة لليهود فى فلسطين، وبوسائل سياسية هى الإعتماد على عمل اليهود أنفسهم وطلب دعم القوى الإستعمارية الكبرى. أما الديانة اليهودية فلم تكن فى يوم من الأيام تدعو إلى قيام دولة لليهود فى فلسطين قبل مجئ المسيح، بل وكانت تنظر إلى هذا الأمر على أنه خروج عن الدين وكفر بالشريعة، هذا فضلاً عن أن معظم شعائرها لا يراعى فى "إسرائيل". وعلى الرغم من ذلك ماكانت الصهيونية لتنجح وسط الجماهير اليهودية دونما إستغلال للأساطير الدينية التى وفرتها الديانة اليهودية للحركة الصهيونية ثم لـ "إسرائيل" بعد عام 1948. والصهيونية فى ذلك شأنها شأن كافة الفرق والجماعات والتيارات اليهودية التى تجد، دوماً، فى نصوص التوراة وأسدار التلمود مبررات لأفكارها ومواقفها، فقد استخدم دعاة الهسكالاه والإصلاح، ودعاة الصهيونية الدينية والأرثوذكسية الحريدية المعارضة للصهيونية ذات الأسلوب.

ثالثاً: أنه لم يكن لبنى إسرائيل القدماء كيان سياسى مستقل قبل ميلاد المسيح، فإدعاءات الحركة الصهيونية وساسة "إسرائيل" بأنه كان لليهود كيان سياسى أيام النبيين داود وسليمان (عليهما السلام) أمرغير صحيح. ذلك بأن - بالنسبة للمسلمين - فإن ما أقامه النبيان ماهو إلا ملك إسلامى خالص، لقد كانت مملكة داود وسليمان- التى امتدت لتشمل بلاد الشام (الأرض المباركة للعالمين بنص القرآن الكريم) وشبه جزيرة العرب- تضم مسلمى بنى إسرائيل ومسلمى غيرهم من الأقوام والشعوب، وتدين بنهج الله الخالد: الإسلام. ولهذا لم يكن أنبياء الله: إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وداود وسليمان ويحيى وزكريا وعيسى (عليهم السلام) يهوداً أو نصارى، وإنما كانوا أنبياء مسلمين. وفى هذا يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون﴾ , ويقول أيضاً ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ ، أما الديانة اليهودية (والتى هى ديانة قبلية عنصرية لا تمت بصلة إلى دعوة التوحيد ولا إلى التوراة التى أنزلها الله عز وجل على موسـى عليه السلام) فهى ما صاغه كفار بنى إسرائيل، الذين شتتهم البابليون إلى بابل فى القرن السادس قبل الميلاد بعد موت النبى موسى بأكثر من خمسة قرون. وقد أضاف كفار بنى إسرائيل إلى ديانتهم المحرّفة تلك باطلاً جديداً تمثل فيما أسموه "التلمود".

وإرتباطاً بهذه الأمور الثلاثة فقد آثرنا أن نلحق بدراستنا هذه ملاحق ثلاثة: الأول تناول- بإيجاز- أهم الأحداث التاريخية المتصلة ببنى إسرائيل القدماء، والجماعات اليهودية فى العالم، ودولة "إسرائيل"، والثانى عرض للتيارات اليهودية المختلفة التى ظهرت بين مفكرى اليهود وعامتهم بعد حركات التحرير والمساواة التى تعرضت لها الجماعات اليهودية بعد عصر الإحياء الأوربى. أما الملحق الثالث فقد إنصب الإهتمام فيه – بإقتضاب- على الرد على الإدعاءات والأسانيد الدينية والتاريخية للفكرة الصهيونية.

والله المستعان وهو ولى التوفيق...

 *****

خاتمة الكتاب

 إستهدفت هذه الدراسة التعريف بالأحزاب والجماعات الدينية فى "إسرائيل" من جهة، والكشف عن حقيقة الدور الذى تقوم به فى التأثير على عملية رسم السياسات العامة، وبالتالى على عملية صنع القرار السياسى من جهة أخرى، وذلك بجانب الوقوف على مدى التوافق بين القوة البرلمانية للأحزاب الدينية، وبين دورها الفعلى فى الحياة السياسية. وقد اقتضى هذا الهدف الوقوف على الأمور التالية: موقع الدين فى بناء الصهيونية السياسية، موقف اليهود المتدينين فى شرق أوربا من الفكرة الصهيونية ثم من الدولة عام 1948، الملامح الرئيسية لشكل العلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"، نشأة الأحزاب الدينية وبرامجها وقوتها البرلمانية وحجم الدور الذى تلعبه فى تشكيل الإئتلافات الحكومية ومواقفها من المسائل التى تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ودور الجماعات الدينية غير الحزبية فى الحياة السياسية.

وكان من الطبيعى – على مقتضى هذا الهدف – أن نتناول بالتحليل- فى هذه الدراسة – مواقف اليهود المتدينين من الفكرة الصهيونية وردود أفعالهم عليها من جهة، وفى النشاطات والأدوار الفعلية التى تمارسها الأحزاب والجماعات الدينية فى الحياة السياسية من جهة أخرى. تلك النشاطات والأدوار الفعلية التى تمارس من خلال خوض الإنتخابات البرلمانية والمشاركة فى الحكومات الإئتلافية بالنسبة للأحزاب، أو عن طريق مجرد الضغط على (أو دعم) سياسات الحكومة بالنسبة للجماعات غير الحزبية.

وقد كان من مقتضيات تحقيق هدف الدراسة – وقبل أن نلج إلى تناول صلب موضوعنا- أن نعرض للبناء الاجتماعى – الإقتصادى والسياسى فى "إسرائيل"، الذى يُمثل السياق العام الذى تُمارس فى إطاره الأحزاب والجماعات الدينية نشاطاتها وأدوارها الفعلية.

وانطلاقًا من هذا التصور، عرضنا – فى الباب الأول- للبناء الاجتماعى- الإقتصادى والسياسى فى "إسرائيل"، حيث تناولنا فى الفصل الأول البنيان الاجتماعى – الإقتصادى، وعرضنا فى الفصل الثانى لقوى الحياة السياسية فى "إسرائيل".

وفى إطار حديثنا عن الكيان الاجتماعى تناولنا البنية الاجتماعية – العرقية الحالية لسكان "إسرائيل"، التى تضم الفئات الرئيسية التالية: اليهود الغربيون، اليهود الشرقيون، يهود "الصابرا"، والعرب، ثم وقفنا على المصادر الديمغرافية للسكان، التى تمثلت – بصورة أساسية – فى تهجير الجماعات اليهودية من كافة أصقاع الأرض إلى "إسرائيل" لتوطينهم هناك. وقد اقتضى هذا الأمر تناول موضوع "الهجرة" فى فكر رواد الحركة الصهيونية، وساسة الدولة من جهة، وعلى المراحل التى مرت بها هجرة الجماعات اليهودية المختلفة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، وكذلك الهجرة المعاكسة وآثارها على الدولة من جهة أخرى. كما وجهنا اهتمامنا – بعد ذلك – إلى الوقوف على أبعاد العلاقة بين الطوائف والفئات المختلفة فى المجتمع، ولا سيما العلاقة بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين، والعلاقة بين اليهود والعرب، وذلك بهدف الكشف عن وجوه التمييز المختلفة التى يعانى منها اليهود الشرقيون، والعرب.

كما تضمن الفصل الأول الحديث عن الملامح الرئيسية للإقتصاد الإسرائيلى، من حيث نشأة اقتصاد الجماعات اليهودية فى فلسطين قبل قيام الدولة من جهة، والمؤشرات العامة للإقتصاد الإسرائيلى من جهة أخرى. وقد أنهينا هذا الفصل بعرض يتضمن – بإيجاز- أبرز وجوه الدعم الخارجى للدولة، والتى تتمثل فى التعويضات الألمانية، والدعم الأمريكى.

وفى الفصل الثانى، عرضنا للقوى الرسمية واللا رسمية فى الحياة السياسية من ثنايا ثلاثة مباحث، اهتم أولها بالحديث عن الأيديولوجية الرسمية للدولة والمتمثلة فى الصهيونية السياسية. وقد عرضنا فى هذا الإطار للفكرة الصهيونية من حيث تعريفها، والظروف والعوامل التاريخية التى هيأت لظهورها فى أوربا فى القرن التاسع عشر، والأسانيد الدينية والتاريخية التى ارتكزت إليها الحركة الصهيونية فى صياغتها لأفكارها. أما فى المبحث الثانى، فقد انصب الإهتمام على المؤسسات الرسمية للدولة، وذلك من خلال تناول الإطار الدستورى لمؤسسات الحكم من جهة، والمؤسسات السياسية الحاكمة (هيئة التشريع وهيئة التنفيذ) من جهة أخرى. كما تضمن هذا المبحث عرضًا موجزًا للملامح الرئيسية لكيان مؤسسات الحكم العضوى والوظيفى بعد التعديل الذى تم بموجب "قانون أساسى : الحكمة" الصادر عام 1992، والذى جرى العمل به بدءًا من إنتخابات العام 1996. هذا فضلاً عن أننا عرضنا – فى نهاية هذا المبحث – لملامح الهيئة القضائية فى "إسرائيل" ولا سيما لكيان محكمة العدل العليا ودورها فى الحياة العامة. وفى المبحث الثالث تناولنا الأحزاب السياسية من حيث نشأتها التاريخية وسماتها العامة، وبراجها السياسية، هذا بجانب معالجة ما عليه واقع الحياة الحزبية المعاصرة فى "إسرائيل". كما انصب إهتمامنا – فى هذا المبحث – على جماعات الضغط أو المصالح فى "إسرائيل"، حيث عرضنا لدور كل من النقابات العمالية، والمنظمة الصهيونية، وحركات السلام، هذا فضلاً عن دور العسكريين – كجماعة ضغط – فى الحياة السياسية.

وبعد أن فرغنا من عرض البناء الاجتماعى السياسى- الإقتصادى فى "إسرائيل"، انصب إهتمامنا على صلب موضوع دراستنا والمتمثل فى التعريف بالأحزاب والجماعات الدينية فى "إسرائيل" من جهة، والكشف عن دورها فى الحياة السياسية من جهة أخرى. وقد تم ذلك فى ثنايا فصول خمسة، عالج الفصل الأول منها الجذور الأيديولوجية للأحزاب والجماعات الدينية، حيث عرضنا – فى مستهله – لموقع الدين فى بناء الأيديولوجية الرسمية للدولة، وذلك كتوطئة تستهدف الكشف عن دور الدين فى بناء الفكرة الصهيونية، وتحقيق أهدافها ومطامعها. وقد تطرق الفصل، بعد ذلك، إلى نشأة التيار الدينى الأرثوذكسى- وريث اليهودية التلمودية – ومبادئه وإنقسامه – بصدد موقفه من الصهيونية – إلى فريقين رئيسيين هما: الصهيونية الدينية، والأرثوذكسية المتشددة. هذا فضلاً عن تناولنا للفكر الحسيدى، الذى يُمثل أحد أفرع اليهودية الأرثوذكسية.

واهتم الفصل الثانى بالنشأة التاريخية للحركات والأحزاب الدينية التى جاءت تعبيرًا عن أفكار الفريقين الدينيين الصهيونى والأرثوذكسى، حيث تناولنا نشأة الحركات والأحزاب الدينية الصهيونية (حركتى المزراحى والعامل المزراحى) وتطورها التنظيمى من جهة، ونشأة الحركات والأحزاب الدينية الأرثوذكسية المعارضة للصهيونية (حركتى أغودا وبوعالى أغودا) وتطورها التنظيمى من جهة أخرى.

وتضمن الفصل الثالث الكشف عن الملامح الرئيسية لشكل العلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"، وقد تناولنا - فى مستهله- رؤية "ديڤيد بن غوريون" لتلك العلاقة، وذلك كمدخل يستهدف التعرف على رأى مؤسس الدولة، وأول رئيس وزراء لها، إزاء موقع الدين فى بناء الدولة المنشودة. وقد احتوى الفصل بعد ذلك على التعريف بإتفاقية الوضع الراهن (1947) التى وقعها "بن غوريون" مع القوى الدينية عشية قيام الدولة، كما عالج الفصل سيطرة الدولة على المؤسسات التى تُعنى بشؤون الدين فى "إسرائيل" (حال: الحاخامية الرئيسية، الحاخامية العسكرية، المحاكم والمجالس الدينية، ووزارة الأديان، وغيرها) من جهة، وجهود قادة الدولة فى إستغلال قيم ورموز وأعياد الديانة اليهودية بغية تشكيل ما يُمكن تسميته بالدين المدنى فى "إسرائيل" من جهة أخرى.

وانصب إهتمامنا فى الفصل الرابع على دور الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية فى "إسرائيل"، وذلك من ثنايا مبحثين اثنين، تعرض الأول للقوة التمثيلية للأحزاب الدينية فى الكنيست، وتناول الثانى أثر هذه الأحزاب فى الحياة السياسية من خلال الوقوف على دورها فى الإئتلافات الحكومية من جهة، ومواقفها من المسائل التى تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة من جهة أخرى. أما الفصل الخامس والأخير، فقد عالج الحركات والجماعات الدينية غير الحزبية من حيث نشأتها، ومبادئها، ودورها فى الحياة السياسية.

وفيما يلى نعرض لأبرز الملاحظات التى إنتهينا إليها بصدد موضوع الدراسة وهدفها من جهة، وأظهر السمات العامة التى تتسم بها قوى الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية فى "إسرائيل" بشكل عام من جهة أخرى:

أ – أبرز الملاحظات التى تتصل بموضوع الدراسة وهدفها:

أولاً: إن الحركة الصهيونية اتخذت من الدين ركيزة أساسية فى المطالبة بدولة قومية خاصة باليهود فى فلسطين، فى وقت كان فيه مبدأ القوميات يمثل زى العصر فى أوربا. وقد خرجت الحركة الصهيونية، بذلك، على النموذج المعاصر للدولة القومية، الذى يقوم على أساس الفصل بين الدين والدولة، وإستبعاد عنصر الدين كليةً من أسس التنظيم السياسى للدولة، إذ مثّل الدين أنجع وسيلة أمام الحركة الصهيونية لتحقيق أهدافها فى توحيد صفوف الجماعات اليهودية، ولا سيما الجماعات المتدينة منها فى شرق أوربا، خلف دعوتها وجذب أفرادها نحو الهجرة إلى فلسطين.

ثانيًا: إن التيار الدينى الأرثوذكسى هو مجرد إمتداد لليهودية التلمودية القديمة التى سيطرت على حياة أفراد الجماعات اليهودية منذ القرن الأول الميلادى. وتتمحور الأفكار الأساسية لهذا التيار حول فكرة رئيسية مؤداها: أن "الشعب اليهودى" هو "شعب الله المختار"، ولذلك يجب أن يظل منعزلاً عن بقية الشعوب حتى يُرسل له الرب "المسيح المخلّص" ليقوده نحو فلسطين لإقامة "مملكة إسرائيل". وقد انقسم أتباع هذا التيار- إزاء موقفهم من الصهيونية – إلى فريقين، الأول: ناصر الصهيونية وآمن بدعوتها وتحالف معها (الصهيونية الدينية)، والثانى: عارضها ونبذ أفكارها ووقف لها بالمرصاد (الأرثوذكسية المتشددة).

ثالثًا: إن الصهيونية الدينية تنطلق فى تحالفها مع الحركة الصهيونية من إنكار فكرة إنتظار "المسيح المخلّص"، والإيمان بالفكرة الصهيونية القائلة بإعتماد اليهود على جهودهم الذاتية والهجرة إلى فلسطين لإنشاء دولة خاصة بهم. وقد استند رواد الصهيونية الدينية فى تبرير ذلك – شأنهم فى ذلك شأن سائر الجماعات اليهودية الأخرى- إلى نصوص توراتية وتلمودية تعتبر الإستيطان فى فلسطين (أرض إسرائيل فى المصطلح التوراتى) وصيةً من الوصايا الدينية، ومقدمةً لمجئ المسيح المخلّص. وترتد المفاهيم الرئيسية للصهيونية الدينية إلى ما قبل ظهور الحركة الصهيونية بقرون، فالحاخام "موشيه بن نحمان" (القرن الثالث عشر) اعتبر "أورشاليم" مركز "أرض إسرائيل" والمكان الوحيد لتأدية الوصايا الدينية، ولهذا فالإستيطان فى "أرض إسرائيل" فريضة دينية تعادل كل فرائض التوراة مجتمعةً. وعند الحاخام "يهودا القلعى" (القرن التاسع عشر)، تمثل عملية شراء الأراضى فى "أرض إسرائيل" فريضة مقدسة ورّثها النبى "يعقوب" لـ "نسله" من بعده، كما أن خلاص اليهود لن يتم إلا من خلال الإستيطان فى تلك الأرض وتعميرها، وإحياء اللغة العبرية فيها. أما الحاخام "كاليشر" فقد اعتبر أن خلاص اليهود لا يمكن أن يتم بمجرد مراعاتهم الوصايا الدينية فى بلدان شتاتهم، ذلك أن الخلاص لن يتحقق إلا بالإستيطان والعمل المقدس فى الأرض المقدسة. كما أنه ليس ثمة أمة عند الحاخام "لانداو" من دون أرض، ولا دولة من دون الجمع بين الدين والدولة حسبما جاء فى كتابات الحاخام "بار – إيلان". كما أن الدين هو مصدر القومية التى لا يمكن أن تكون علمانية عند الكاتب الدينى "بانيس".

وقد كان الحاخام "موهيليفر" أول من مثّل التيار الدينى فى جمعية أحباء صهيون، ثم فى الحركة الصهيونية بعد ذلك. أما الحاخام "أبراهام كوك" فقد سخّر حياته وكل كتبه لأجل التوفيق بين الدين والسياسة، وبين المتدينين والعلمانيين مستغلاً فى ذلك خلفيته التعليمية التلمودية، ولهذا فقد رأى فى الصهيونية هبة إلهية، واعتبر روادها يد الله فى تنفيذ وعده المقدس، كما أن العيش فى "أرض إسرائيل" والعمل فيها – عنده- فريضة إلهية، ومن هنا يجب التساهل مع العلمانيين والتعاون معهم. وهكذا، قدّمت الصهيونية الدينية – بأفكارها تلك – الشرعية لمطالب الحركة الصهيونية، وسط الجماهير اليهودية فى أوربا ولا سيما المتدينين منهم، فقد أضفت على الحركة طابعًا دينيًا قل أن تتمتع به أية حركة سياسية. هذا فضلاً عن أن مواجهة أفكار الحاخامات اليهود الإصلاحيين بالأفكار الصهيونية الدينية مهّد الطريق لتحجيم الأفكار الأولى واحتواء الثانية، وإفساح المجال أمام هيمنة الفكر الصهيونى.

وإستنادًا إلى الأفكار الصهيونية الدينية تلك، نشأت حركتا المزراح والعامل المزراحى فى أوربا فى مطلع القرن العشرين، ثم صار لهما فروع فى فلسطين بعد ذلك. وفى العام 1956 اندمجت الحركتان تحت إسم حزب المفدال.

رابعًا: استند الفريق الدينى الأرثوذكسى المعارض للصهيونية – فى رفضه للصهيونية- إلى أن الحركة الصهيونية استبدلت الخلاص الدنيوى بالخلاص الإلهى فى دعوتها اليهود إلى العودة إلى الأرض المقدسة دون إنتظار المسيح، الأمر الذى يُعد إنتهاكًا لتعاليم التوراة وأوامرها. هذا فضلاً عن أن الصهيونية – عند أتباع هذا الفريق – قد حولت فكرة "الشعب اليهودى" ذات المفهوم الدينى إلى فكرة علمانية لا تقدس التوراة، وتعتبر اليهود شعبًا كغيره من الشعوب.

خامسًا: إن التيار الدينى الأرثوذكسى المتشدد انقسم – بدوره – إلى فريقين، الأول: اعتبر الحركة الصهيونية كفرًا وهرطقة، ورأى أن فكرة قيام دولة لليهود فى فلسطين عمل مناقض لفكرة انتظار المسيح، ولهذا فهى دولة آثمة، ولا يمكن التعاون مع مؤسساتها وقادتها حال قيامها. ويمثل هذا الفريق جماعة ناطورى كارتا، وحركة الطائفة الحريدية. أما الفريق الثانى، فقد تصالح مع الحركة الصهيونية، وتعاون معها على اعتبار أنها أمر واقع، وعند قيام الدولة، تعامل أنصار هذا الفريق مع مؤسساتها وكأنهم فى بلد أجنبى، ذلك أنهم كانوا – ولا يزالون – يعبترون أن اليهود فى شتات. ويحدد هؤلاء موقفهم من الدولة بمقدار إقتراب (أو إبتعاد) هذه الأخيرة من تعاليم التوراة ووصاياها. ويمثل هذا الفريق اليوم: أحزاب أغودات إسرائيل، وحزب ديغيل هيتوراه، وغيرهما.

سادسًا: إن واقع الحال فى الدولة بعد قيامها أثبت أن تخوف اليهود الأرثوذكس المتشددين "الحريديم" من أن تحرمهم الدولة الصهيونية من وجود مؤسسات تعليمية خاصة بهم لم يكن فى محله؛ ذلك لأن الدولة قامت بتمويل المؤسسات الدينية والتعليمية الحريدية حتى صار للحريديم مجتمع خاص بهم. هذا فضلاً عن أن مبادئ الديمقراطية الليبرالية التى سارت عليها الدولة قد حالت دون سن قوانين معادية للدين بشكل عام.

سابعًا: برغم معارضة الحريديم للحداثة من الناحية الفكرية والثقافية، فإنهم قبلوها من الناحية المادية والتكنولوجية، ذلك لأنهم اعتبروا القيم والثقافة الغربية تمثل تهديدًا لوحدة اليهود وقيمهم، أما المعدات والآلات المادية فهى مجرد أدوات عصرية يجب على اليهود أن يستفيدوا بها.

ثامنًا: يُمثل الفكر الحسيدى فرعًا من فروع التيار الدينى الأرثوذكسى، له طقوس خاصة للعبادة تقوم على الرقص والغناء والمرح وإحتساء الخمور. ويعتبر هذا الفكر أن خروج اليهود من "بلاد الأغيار المدنسة" إلى "بلاد فلسطين المقدسة"شعيرة دينية، وعملاً مقدسًا. وهذا هو ما دفع الكثير من الحسيديم للهجرة إلى فلسطين قبل ظهور الحركة الصهيونية بأكثر من قرن من الزمان. غير أن الفكر الحسيدى لايعتبر اليهود شعبًا مختارًا، ويرى أن خلاص اليهود هو خلاص فردى، يصل إليه كل فرد على حدة عن طريق "التعبد والتوحد مع الله"، ولن يظهر المسيح إلا آخر الزمان حينما يكون كل فرد قد حقق خلاصه. وللصدّيق مكانة رفيعة بين أتباعه تقترب من الألوهية، فهو ابن الله ، ووسيط بين السماء والأرض، كما أن حديثه توراة. وقد نشأت عدة حركات وطوائف إستنادًا إلى الفكر الحسيدى، أبرزها: طائفة ساطمر، وحركة حباد. وقد نشب صراع بين الحسيديم من جهة، وأنصار الأرثوذكسية التقليدية "الميتناغديم" من جهة أخرى، حيث اعتبر الميتناغديم أن الحسيدية أقرب إلى المسيحية من اليهودية، غير أن الطرفين تحالفا ضد دعاة الهسكالا والإندماج قبيل قيام الدولة ثم عادا إلى الصراع بعد قيامها، ذلك الصراع الذى صار يُعرف باسم "الصراع الليتوانى/الحسيدى".

تاسعًا: برغم أن "بن غوريون" قد آمن بأن العمل الصهيونى – وليس التعاليم الدينية – هو وحده الكفيل ببناء دولة لليهود والمحافظة عليها، فإنه أدرك أهمية العامل الدينى فى دعم الفكرة الصهيونية، وفى ترسيخ أسس الدولة المنشودة. ولهذا فقد أخذ موقفًا وسطيًا من مسألة الدين فى "إسرائيل"، حيث تصدى للإكراه الدينى من جهة، ومنع أي نشاط معاد للدين من جهة أخرى، كما آمن بأن تلبية بعض مطالب المتدينين والحؤول دون فصل الدين عن الدولة قمين بأن يضمن تأييد الأحزاب الدينية لحزبه من جهة، وكفيل بأن يخفف من حدة التوتر بين المتدينين وغير المتدينين من جهة أخرى.

عاشرًا: إن "بن غوريون" قد توصل إلى اتفاق مع المتدينين عشية قيام الدولة (إتفاق الوضع الراهن، 1947) إستجاب بموجبه إلى بعض مطالبهم، الأمر الذى قبله العلمانيون والمتدينون على حد سواء، حيث اعتبر العلمانيون – وعلى رأسهم "بن غوريون"- أن الإتفاق سيضمن ولاء الأحزاب الدينية للدولة، كما سيكبح مطالبها، أما المتدينون فقد اعتبروا أن الإتفاقية تُحقق الحد الأدنى من مطالبهم، فضلاً عن أنها أزالت حالة الخوف التى انتابت جمهور المتدينين عمومًا من أن تسحق الدولة الصهيونية العلمانية – بمجرد قيامها- مصالحه.

حادى عشر: إن الدولة – بمجرد قيامها – أنهت الوضع الطائفى لليهود فى فلسطين، إذ حلت، بمؤسساتها، محل مختلف مؤسسات وهيئات الطوائف اليهودية، حيث أخذت على عاتقها – منذ ذلك الحين – مهمة تنظيم كافة الشؤون الدينية لمختلف الطوائف اليهودية من خلال سيطرتها على كل المؤسسات الدينية: الحاخامية الرئيسية، الحاخامية العسكرية، وزارة الأديان، المجالس الدينية المحلية، المحاكم الدينية، ومؤسسات التعليم الدينى الرسمى. وقد استخدمت الدولة فى سيطرتها تلك التيار الصهيونى الدينى، وذلك من خلال التحالف بين حزبى المفدال والماباى، ثم بين حزبى المفدال والليكود. هذا فضلاً عن سيطرة الدولة – غير المباشرة – على قطاع كبير من مدارس التيار الدينى الحريدى المستقل من خلال المساعدات المالية التى دأبت الحكومات المختلفة على تقديها لها كثمن لتأييد الأحزاب الحريدية.

ثانى عشر: إن الدولة استطاعت – بحذق بارع ودأب متصل – وعن طريق العديد من مؤسسات الدولة السياسية والتعليمية والإعلامية، أن تستغل قيم ورموز وأعياد الدين التقليدى- بعد إفراغها من مضامينها الدينية وطابعها التقليدى- فى تحقيق الأهداف السياسية للدولة، والتى أبرزها:

- إضفاء الشرعية على قيم ومؤسسات الدولة، بل وممارساتها.

- صهر ودمج الجماعات اليهودية المختلفة سلاليًا أو لغويًا أو تاريخيًا.

- تعبئة الجماهير خلف أهداف الدولة، وإرضاء الجماعات والأحزاب الدينية، وكبح مطالبها.

وإستجابةً إلى ذلك، أصبح نظام التعليم فى الدولة موحدًا، وأضحت الدولة ذاتها خطوة تمهيدية لقدوم المسيح وتحقيق الخلاص، وصار "أبطال التوراة" هم المثل الأعلى فى المدارس، وبات ينظر إلى "بن غوريون" على أنه "يوشع المعاصر"، وإلى جيل الصابرا على أنه جيل الحرية والبطولة. أما شعارات ورموز الدولة فقد أُستمدت من طقوس الديانة اليهودية، فصارت أعياد الدولة أعيادًا مقدسة، وأوامرها فريضة دينية مقدسة. هذا بجانب أن الجماعات اليهودية الآتية من شتى فجاج الأرض قد غدت تشكل أمة واحدة وشعبًا واحدًا، و "يهود الدياسبورا" أمسوا أصحاب ماضٍ مشرف، وحاضر ومستقبل واعاديْن، أما غير اليهود فهم أعداء اليهود الحاقدون دومًا عليهم، لأن التوراة تقول أن "عيسو" حقد على "يعقوب". وقد إتسم خطاب الحركة الصهيونية ودولة "إسرائيل" تجاه يهود العالم وتجاه دول العالم المختلفة بالعديد من السمات لعل أبرزها إستغلال عبارات وألفاظ ذات معان ومضامين دينية، فالمستعمرون الصهاينة صاروا شعب الله المختار وحملة مشاعل الحضارة والتقدم إلى فلسطين، التى أمست – منذ خروج بنى إسرائيل منها- أرضًا صحراء قاحلة وبلا شعب أيضًا، وهجرة الجماعات اليهودية من أصقاع الأرض إلى فلسطين أصبحت "عاليا"، وهجرتها منها صارت "يريداه". أما المواقع والمدن المحتلة فى فلسطين- وفى غيرها من الدول العربية المجاورة – فقد تم طمس هويتها العربية الإسلامية وتهويد أسمائها فالضفة الغربية صارت يهودا والسامرة، وأم الرشراش صارت ميناء إيلات الإسرائيلى، وجبل أبو غنيم فى القدس صار مستوطنة هارحوما، وهكذا.

ثالث عشر: إن الأحزاب الدينية فى "إسرائيل" تتسم بجملة من السمات والخصائص، لعل أبرزها بشكل عام مايلى:

1 – إن معظمها نشأ قبل قيام الدولة كتعبير عن فكر دينى مناصر للصهيونية (حركة المزراحى)، أو معارض لها (حركة أغودات إسرائيل)، شأنها فى ذلك شأن بقية الأحزاب السياسية فى "إسرائيل".

2 – أنها ليست مجرد أحزاب سياسية فقط، فهى فضلاً عن ذلك تمتلك هيئات إستيطانية واقتصادية وإعلامية وشبابية ونسائية وسكانية وإعلامية وترفيهية، شأنها فى ذلك شأن بقية الأحزاب الإسرائيلية.

3 – أنها تسعى إلى تحويل الدولة إلى دولة تحكمها الشريعة اليهودية، مع إختلافها فى السبل إلى ذلك، فالتيار الصهيونى الدينى آمن بالصهيونية واعتمد أسلوب التكيّف والتعاون معها ثم مع الدولة بعد ذلك، أما التيار الحريدى فقد تعاون جناح منه مع الصهيونية والدولة (حزب أغودا والأحزاب المنشقة عليه)، فى حين فضل جناح آخر الإنعزال كليةً عن الصهيونية وعن الدولة (حركتا حراس المدينة والطائفة الحريدية).

4 – أنها تلتقى على عدة أهداف رئيسية، أبرزها: إحتكار الحاخامات الأرثوذكس عمليات التهويد، ومراعاة التعاليم الدينية فى الدولة، وتدفق الإعتمادات المالية الحكومية على مؤسساتها ومدارسها.

5 - أنها تركز على التربية والتعليم، لأنها – لديها- السبيل الحقيقى للتغيير، ولذلك فهى تمتلك مدارس ومعاهد، بل وجامعات دينية تابعة لها.

6 – أنها تخضع لمجالس دينية روحية عليا: الحاخامية الرئيسية بالنسبة للتيار الدينى الصهيونى، ومجالس كبار علماء التوراة بالنسبة للتيار الحريدى.

7 – أنها تتلقى دعمًا ماليًا من مصادر يهودية فى الخارج، حيث أن للكثير منها فروعًا فى الخارج، كما أن لبعضها مؤيدين وممولين فى أوساط الجماعات اليهودية المختلفة، شأنها فى ذلك شأن بقية الأحزاب الإسرائيلية.

8 – أنها تعانى – شأنها فى ذلك شأن بقية الأحزاب – من المشكلة العرقية، ذلك أنها تأتى إنعكاسًا للتناقضات والإنقسامات الطائفية السائدة فى المجتمع.

9 – أنها تعانى من إستشراء الفساد فى صفوف قادتها وزعمائها، ولعل زعيم حزب شاس "آريه درعى" مثال حى على ذلك. فضلاً عن لجوء الكثير من الأحزاب الدينية إلى العديد من صور التحايل والتزوير خلال الحملات الإنتخابية. والأحزاب الدينية شأنها فى هذا شأن الكثير من الأحزاب السياسية فى "إسرائيل".

10 – أنها ذات نظرة واقعية فى تعاملها مع المسائل المختلفة وذلك باستثناء تلك التى تتصل بالشريعة اليهودية، وهذا ما جعلها الأرخص ثمنًا عند تشكيل الإئتلافات الحكومية، ذلك أن مطالبها ومصالحها تكاد تحصر فى الشؤون الدينية. وتفسر هذه النظرة الواقعية – أيضًا- مواقفها غير الثابتة من مسألة العلاقة مع العرب، ومصير الأراضى المحتلة عام 1967.

11 – أنها تُمثل – دومًا- القوة الثالثة فى الكنيست الإسرائيلى بعد حزبى العمل والليكود، الأمر الذى مكنها من أن تلعب دورًا مؤثرًا فى تشكيل الإئتلافات الحكومية على نحو لا يتناسب مع قاعدتها البرلمانية.

رابع عشر: إن القوة التمثيلية للأحزاب الدينية ظلت مستقرة وشبه ثابتة إلى حد كبير، وذلك خلال الفترة من عام 1949 إلى عام 1992، إذ ظلت تحصل على نسبة تتراوح بين (11% و 16%) من جملة الأصوات الصحيحة فى الدورات الإنتخابية المختلفة، الأمر الذى مكنها من أن تحتل ما بين (13) و (18) مقعدًا فى الكنيست. وفى إنتخابات العام 1996، وصلت قوتها التمثيلية إلى حد لم يسبق له مثيل، حيث أحرزت – مجتمعةً- ما يربو على (19%) من جملة الأصوات الصحيحة، الأمر الذى مكنها من الحصول على (23) مقعدًا فى الكنيست. وفى الإجمال، شكلت الأحزاب الدينية – دومًا- القوة الثالثة فى الكنيست بعد أحزاب اليسار وأحزاب اليمين، بل إن قوتها التمثيلية تدعمت بـ (5) مقاعد، عام 1996، فى مقابل إنخفاض القوة التمثيلية لكل من حزبى العمل والليكود بـ (10) مقاعد لكل منهما، كما صار حزب شاس ثالث أكبر حزب فى الكنيست.

خامس عشر: إن الأحزاب الدينية الصهيونية ظلت حتى عام 1981 تحصل على ما يتراوح بين (60%) و (69%) من جملة الأصوات التى تحصل عليها الأحزاب الدينية مجتمعةً، وذلك فى مقابل نسبة تتراوح ما بين (40%) و (31%) للأحزاب الدينية الحريدية. ومنذ العام 1984، ومع ظهور حزب شاس، بدأت الكفة تميل لصالح الأحزاب الحريدية داخل المعسكر الدينى، حتى وصل الأمر- عام 1996- إلى حصول الأحزاب الحريدية على (5ر56%) مقابل (5ر43%) للمفدال، أي (14) مقعدًا فى الكنيست للحريديم مقابل (9) مقاعد للصهاينة المتدينين.

سادس عشر: إن مطالب الأحزاب الدينية، التى ما انفكت تتقدم بها إلى الأحزاب الكبيرة التى يُكلف قادتها بتشكيل الإئتلافات الحكومية، قد تمحورت حول نوعين رئيسيين من المطالب، هما:

1 – تعديل قانون "من هو اليهودى؟" بحيث يجعل عملية إعتناق الديانة اليهودية من شأن الحاخامات الأرثوذكس فقط.

2 – المحافظة على إتفاقية الوضع الراهن، ومراعاة القيم والتقاليد الدينية، وتعزيز التعليم الدينى، وضمان إستمرار تدفق الدعم المالى الحكومى للمؤسسات والمدارس الدينية.

وبجانب هذين النوعين ثمة مطالب أخرى سعت الأحزاب الدينية إلى تحقيقها، فقد نادى حزب المفدال بالحفاظ على الأراضى التى أُحتلت عام 1967 لأن لليهود حقًا تاريخيًا مقدسًا فى كامل "أرض إسرائيل"، كما طالب بتعميق الطابع الدينى للدولة، ودعم مكانة الحاخامية الرئيسية والمؤسسة القضائية الحاخامية، وأيد خدمة طلبة المدارس الدينية فى الجيش. أما الأحزاب الحريدية فقد انصب إهتمامها على شؤون العلاقة بين الدين والدولة، حيث دعت إلى حل كافة المشاكل التى تواجهها الدولة وفق روح ومبادئ التوراة، وإلى إستمرار تدفق الإعتمادات المالية الحكومية على المؤسسات الحريدية، وعارضت تجنيد طلبة المدارس الدينية وكذا الفتيات الأرثوذكسيات فى الجيش. وقد أضاف حزب شاس إلى ذلك مطلبًا جديدًا قوامه تحقيق العدالة الإجتماعية، وتخفيف الأعباء على الفئات الفقيرة، ودعم مدن التطوير.

سابع عشر: إن الأحزاب الدينية قد مارست نشاطاتها فى الحياة السياسية من خلال خوضها الإنتخابات البرلمانية، ومشاركتها فى الإئتلافات الحكومية. وقد مرت تلك النشاطات بمراحل أربع، نعرض فيما يلى لسمات كل منها:

أ – اتسمت مشاركة الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية فى المرحلة الأولى (1949-1951) - التى تم خلالها إجراء دورتين إنتخابيتين وتشكيل ثلاث حكومات إئتلافية – بعدد من السمات، أبرزها:

1 – إن الأحزاب الدينية خاضت – مجتمعةً- الدورة الإنتخابية الأولى للكنيست عام 1949 تحت إسم "الجبهة الدينية الموحدة"، كما شاركت فى الإئتلاف الحكومى الأول مع حزب الماباى ساعيةً بذلك إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب والمغانم، وذلك على الرغم من معارضة حزبى الأغودا للصهيونية وعدم إعترافهما بالدولة. لقد قدّر حزبا المزراحى أن الوسيلة الأنجع لتحقيق مطالب المتدينين ومصالحهم – فى دولة يهودية نشأت علمانية – هى فى الإشتراك فى أي إئتلاف حكومى يُشكل. أما حزبا الأغودا، فقد قدرا أن مشاركتهما فى الإئتلاف الحكومى قمين بالحفاظ على قيم ومصالح المجتمع الحريدى من جهة، وبالإبقاء على إستمرار تدفق الإعتمادات المالية لمؤسسات ومدارس الحريديم من جهة أخرى، وذلك بعد أن كانت حركة أغودا قد تصالحت مع الحركة الصهيونية، فى منتصف الثلاثينيات، بعد نضوب مصادر الدعم المالى والبشرى التى كانت تعتمد عليها الحركة فى أوربا. وقد قدّر "بن غوريون" أن الإئتلاف مع الأحزاب الدينية أرخص ثمنًا من الإئتلاف مع غيرها؛ ذلك أن مطالبها لم تتجاوز المناداة بالحفاظ على إتفاقية الوضع الراهن، ومراعاة القيم والتقاليد الدينية، وتدفق الإعتمادات المالية على مؤسساتها، كما أن جُل هذه الأحزاب لم يكن له مواقف سياسية محددة بصدد الشؤون الإقتصادية والأمنية والخارجية. هذا إلى جانب أن "بن غوريون" فضّل إستمرار صيغة التعايش والتعاون مع الأحزاب الدينية التى كانت سائدة إبان فترة الإنتداب؛ لأنه قدّر أن هذه الصيغة تضمن إستقرار الحكم، وبقاء الصراع بين الدين والدولة ضمن إطار محدد. وقد لجأ "بن غوريون" – فى إستجابته لبعض مطالب المتدينين – إلى أسلوب إصدار مراسيم إدارية لم تكن إلا لغرض الإئتلاف فقط، ويمكن التراجع عنها فى أي وقت. وقد سار جل رؤساء الوزارات بعد ذلك على نهج وأساليب "بن غوريون" تلك. وعلى الرغم من إنفراط عقد الجبهة الدينية الموحدة خلال إنتخابات عام 1951، فإن كل الأحزاب الدينية قد شارك فى الإئتلاف الحكومى الذى شُكل وقتذاك.

2 – إن الأحزاب الدينية قد حققت فى هذه المرحلة العديد من المكاسب، لعل أبرزها: الحفاظ على إتفاقية الوضع الراهن، والحصول على عدة مناصب سياسية كبرى فى الدولة، والحؤول دون إعطاء صلاحيات للخامات الإصلاحيين والمحافظين فى مسألة التحول إلى اليهودية، إستمرار تدفق الدعم المالى للمدارس الدينية، وإصدار مرسوم يحظر إستيراد الأطعمة الممنوعة دينيًا إلى البلاد، وعدم تجنيد الفتيات الأرثوذكسيات فى الجيش.

3 – إن مشاركة الأحزاب الدينية (الأربعة) فى الإئتلافات الحكومية الثلاث – التى شُكلت خلال هذه المرحلة – كانت شرطًا لازمًا وضروريًا لبقاء وإستمرار هذه الإئتلافات؛ ذلك لأن إنسحاب تلك الأحزاب من أي إئتلاف منها كان قمينًا بإسقاطه. وقد إنهارت تلك الحكومات الثلاث لأسباب تتعلق بمواقف الأحزاب الدينية من بعض المسائل المتصلة بالدين، فالحكومة الأولى إنهارت بعد أن إستقال "بن غوريون" فى أعقاب معارضة الجبهة الدينية إقتراح بإنشاء وزارة للتجارة والصناعة ...، والحكومة الثانية سقطت بعد خلاف شديد حول التربية الدينية للأطفال اليمنيين اليهود فى معسكرات العبور وذلك بعدأن صوتت الجبهة الدينية ضد الحكومة فى إقتراح بسحب الثقة من الحكومة فى الكنيست. أما الحكومة الثالثة، فقد إنهارت بعد أن إنسحب حزبا أغودا منها فى أعقاب إقتراح لـ "بن غوريون" يقضى بتجنيد الفتيات الأرثوذكسيات فى الجيش، وتوحيد النظام التعليمى.

ب – أما المرحلة الثانية (51-1977) – التى شهدت إجراء ست دورات إنتخابية، وتشكيل سبعة عشر إئتلافًا حكوميًا- فقد اتسمت مشاركة الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية خلالها بما يلى:

1 – إمتناع حزبى أغودات إسرائيل عن الإشتراك فى الإئتلافات الحكومية، تنفيذًا لفتوى أصدرها مجلس كبار علماء التوراة التابع لحزب أغودا، (فيما عدا مشاركة حزب بوعالى أغودا فى الفترة من 61-1969). لقد قدّر حزبا الأغودا أن فى إمكانهما – وهما خارج الإئتلاف – ضمان تدفق الدعم المالى على مؤسساتهما من جهة، وإحترام التقاليد والتعاليم الدينية فى المجتمع من جهة أخرى، وذلك على إعتبار أن حزب المفدال يدافع عن مثل هذه المطالب أيضًا، كما أن قوة حزبى الأغودا البرلمانية المتواضعة نسبيًا (من 5-6 مقاعد) لم تكن بالحجم الذى يجعل حزب الماباى يحرص على مشاركتهما فى الإئتلاف. وقد عزز سلوك الماباى هذا حقيقة أن المطالب الدينية لحزبى الأغودا إتسمت بالتشدد.

2 – إن حزب المفدال كان الحليف الرئيسى والمؤيد الأمين لحزب الماباى طوال سنوات هذه المرحلة، وقد بدأ هذا التحالف منذ الحكومة الرابعة حين أيد حزب المزراحى مواقف الماباى خلال الأزمة التى أثارها الصهيونيون العموميون حول رفع العلم العمالى، ومسألة كاستنر، وأزمة العلاقات مع ألمانيا الغربية.

3 – إن مجرد الإقتراب من مطالب الأحزاب الدينية بتعديل قانون العودة والحفاظ على سيطرة اليهودية الأرثوذكسية على مسألة إعتناق اليهودية كفيل بإنسحاب المفدال من الحكومة، وهذا ما حدث حينما انسحب حزب المفدال من الحكومة الثامنة فى أعقاب تفكير الحكومة (فقط) فى الإعتراف بصلاحية إعتناق اليهودية على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين. وقد أثبتت هذه الأزمة عدم إستعداد الأحزاب الدينية للتنازل عن مطلب إحتكار اليهودية الأرثوذكسية عمليات إعتناق اليهودية، وهو الأمر الذى لايزال قائمًا حتى اليوم. إن كل مطالب الأحزاب الدينية خاضع للمساومة والإبتزاز عدا ذلك المطلب، ذلك لأنه يتعلق بالتفرقة بين اليهودى وغير اليهودى، ويتصل بعلاقة "إسرائيل" بيهود الخارج وبخاصة الأمريكيين اليهود.

4 – إستطاعت الأحزاب الدينية تحقيق العديد من المكاسب خلال هذه المرحلة، كان من أبرزها: الحفاظ على إتفاقية الوضع الراهن، والحصول على بعض المناصب الكبرى فى الدولة، والحؤول دون إعطاء الحاخامات الإصلاحيين والمحافظين صلاحيات فى شأن مسألة الإعتناق، وضمان تدفق الإعتمادات المالية للمؤسسات والمدارس الدينية، والحفاظ على التعاليم الدينية فى الدولة والحد من برامج الإذاعة المرئية والمسموعة أيام السبت.

5 – أن مشاركة المفدال فى جل الإئتلافات الحكومية التى شُكلت خلال هذه المرحلة لم تكن شرطًا لازمًا وضروريًا لبقاء وإستمرار معظم هذه الإئتلافات كما كان الأمر فى المرحلة الأولى، ففى خمس حكومات فقط – من جملة خمس عشرة حكومة – كان وجود المفدال شرطًا لازمًا لبقائها وإستمرارها. كما أن حكومة واحدة فقط- الحكومة العشرون- قد إنهارت نتيجة لتصويت المفدال إلى جانب إقتراح لحزب أغودات إسرائيل بسحب الثقة منها فى أعقاب إنتهاك حرمة السبت، وفيما عدا ذلك فلم يكنفى إمكان المفدال إسقاط أية حكومة. وقد حافظ حزب المفدال (ومن قبله حزبا المزراحى) على علاقاته القوية مع حزب الماباى طوال سنوات هذه المرحلة، فعلى الرغم من إنسحاب المفدال من الحكومة فى أعقاب تصاعد أزمة من هو اليهودى عام 1985، فإنه ظل مؤيدًا لسياسات الماباى، بل وساند الماباى داخل الكنيست فى مواجهته لأحزاب المابام وحيروت وأحدوت هعفودا بصدد أزمة العلاقات مع الألمان عام 1959.

جـ - وفى المرحلة الثالثة (77-1992) – التى تم خلالها إجراء خمس دورات إنتخابية وتشكيل تسعة إئتلافات حكومية – اتسمت مشاركة الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية بما يلى:

1 – تخلى حزب المفدال عن حليف الأمس (المعراخ)، وتحالفه مع حزب الليكود- صاحب أكبر عدد من المقاعد فى إنتخابات 1977- بعدما آلت القيادة داخله إلى عنصر الشباب المرتبط أيديولوجيًا بحركة غوش أُمونيم. وقد ظل تحالف المفدال والليكود قائمًا طوال سنوات حكم الليكود، بل واستمر خلال فترة حكم العمل (92-1996)، حيث فضّل حزب المفدال البقاء فى المعارضة بجانب الليكود عن المشاركة فى إئتلاف يقوده حزب العمل.

2 – إقلاع حزب أغودات إسرائيل عن مقاطعة الإئتلافات الحكومية، وأشتراكه فى الإئتلافات الحكومية التى شُكلت خلال هذه المرحلة، وذلك بعد أن أصدر مجلس كبار علماء التوراة توصيةً تسمح بذلك شريطة ألا يتولى ممثلوه مناصب وزارية.

3 – على الرغم من تراجع القوة البرلمانية للأحزاب الدينية – فى مطلع الثمانينيات – إلا أنها مارست كل صنوف الإبتزاز، وأساليب المساومة تجاه الحزبين الكبيرين (العمل والليكود) طوال سنوات تلك المرحلة. وقد ظهر هذا الأمر جليًا فى أعقاب كل دورة إنتخابية، وكذلك إبان أزمة مارس عام 1990 حينما حصل كل من العمل والليكود على دعم (60) نائبًا فى الكنيست، ثم سحب عضوان من الأغودا دعمهما للعمل بعد تدخل الحاخام "شنيورسون" من نيويورك، وكذلك الحاخام "شاخ"، لصالح الليكود.

4 – تعرضت الأحزاب الدينية فى النصف الأول من عقد الثمانينيات للعديد من الإنشقاقات، إذ إمتدت ظاهرة الإستقطاب الطائفى إلى المعسكر الدينى فظهر حزب دينى صهيونى سيفاردى هو حزب تامى، وآخر دينى سيفاردى حريدى هو حزب شاس.

5 – كما شهد عقد الثمانينيات صعود قوة الحريديم، وإنقلاب ميزان القوة داخل المعسكر الدينى لصالح الأحزاب الحريدية على حساب الأحزاب الدينية الصهيونية، إذ حصلت الأحزاب الحريدية (حزبا اغودا، وشاس، وديغيل هيتوراه) على (13) مقعدًا من أصل (18) مقعدًا حصلت عليها مجمل الأحزاب الدينية عام1988. وقد حصل حزب شاس على نصيب الأسد داخل المعسكر الحريدى حيث صوّت له أفراد الطبقات الفقيرة والمحرومة، وأفراد الطوائف الشرقية بشكل عام بعد إستنفار الحاخام "عوفاديا يوسيف" الجمهور الدينى السيفاردى.

6 – أتاحت أيديولوجية شاس – التى لا تعتبر نفسها معادية للصهيونية على الرغم من حريديتها – للحرب أن يكون شريكًا فى كل الإئتلافات الحكومية (الضيقة أو الموسعة) التى شُكلت منذ ظهوره وحتى نهاية هذه المرحلة. وقد عزز هذا التوجه عدم تبنى الحزب مواقف محددة إزاء حزبى العمل والليكود، ولهذا شارك شاس مع الليكود فى الفترة من 1984 إلى 1992، ثم لم يتردد فى نبذ تحالفه مع الليكود، وتحالف مع حزب العمل بعد نتائج إنتخابات 1992. وقد كان المعيار الوحيد لحزب شاس، فى سلوكه هذا، هو : الحفاظ على المناصب الوزارية التى تضمن له إستمرار تدفق الإعتمادات المالية الحكومية لمؤسساته ومدارسه الحريدية من جهة، والحيلولة دون إعطاء صلاحيات للحاخامات الإصلاحيين والمحافظين بصدد مسألة إعتناق اليهودية من جهة أخرى.

7 – كان من نتائج صعود قوة الحريديم بعامة، وحزب شاس بخاصة، أن برز – علنًا- صراع وتنافس شديدين بين حزبى المفدال وشاس على المناصب الوزارية المخصصة للأحزاب الدينية فى الإئتلافات التى شكلها حزب الليكود. وقد شهدنا هذا الأمر جليًا عامى 1984، و 1988.

8 – أن الأحزاب الدينية تعمل على الإنضمام إلى حكومات الإتحاد الوطنى متى اتفق حزبا العمل والليكود على ذلك؛ نظرًا لأنها تدرك – عندئذ- تراجع قدراتها التساومية التى تتمتع بها – دومًا – عشية تشكيل الإئتلافات الحكومية الضيقة من جهة، ولحرصها على تلبية الحد الأدنى من مطالبها (الحيلولة دون تعديل قانون العودة على غير رؤيتها الأرثوذكسية، إستمرار تدفق الإعتمادات المالية الحكومية، إحترام القيم والتقاليد اليهودية، والحفاظ على إتفاقية الوضع الراهن) من جهة أخرى. وقد شهدنا هذا عامى 1984، و 1988.

9 – كان بقاء الأحزاب الدينية فى الحكومات الإئتلافية التى شكلها حزب الليكود (من أكتوبر 77- سبتمبر 1984، ومن يونيو 91- يوليو 1992)، وكذلك فى الحكومة التى شكلها حزب العمل (من يوليو 1992- نوفمبر 1995)، شرطًا لازمًا وضروريًا لاستمرار هذه الإئتلافات، حيث كان إنسحاب هذه الأحزاب كفيل بأسقاطها. وقد أفضى هذا الأمر إلى تعاظم نفوذ الأحزاب الدينية وتعزيز مكاسبها لقاء بقائها فى الإئتلافات. وعلى الرغم من ذلك لم تتسبب هذه الأحزاب فى إنهيار أي إئتلاف حكومى، حيث كان سقوط الحكومات يتم نتيجة لتقلص التأييد البرلمانى للحكومة فى الكنيست نظرًا لتصاعد الخلافات داخل حزب الليكود نفسه، أو لإنسحاب أحد الشركاء العلمانيين (كما حدث فى الكنيست التاسع)، أو نتيجة لتداعيات الأزمة الإقتصادية (كما كانت الحال فى الكنيست العاشر)، الأمر الذى كان ينتهى بحل الكنيست نفسه والإتفاق على تقديم موعد الإنتخابات. وعلى صعيد آخر، كان من الطبيعى أن يتلاشى دور الأحزاب الدينية فى بقاء واستمرار الإئتلافات الحكومية إبان حكم الإئتلافات الوطنية. غير أنه تبقى حقيقة يؤكد عليها قادة الحزبين الكبيرين دومًا، قوامها حرص هؤلاء على تمثيل الأحزاب الدينية فى كل إئتلاف حكومى – سواء أكان إئتلافًا ضيقًا أم موسعًا- وذلك بغية إرضاء المتدينين فى المجتمع وإضفاء الشرعية على مؤسسات وقيم الدولة من جهة، والحد من نفوذ الأحزاب العلمانية الصغيرة المشاركة فى الإئتلاف من جهة أخرى.

د – وفى المرحلة الرابعة التى بدأت مع إنتخابات 1996، وإنتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الناخبين لأول مرة، اتسمت مشاركة الأحزاب الدينية فى الحياة السياسية بعدة سمات، أبرزها:

1 – أفضت نتائج إنتخابات الكنيست عام 1996 إلى تعزيز قوة الأحزاب الدينية البرلمانية بـ (7) مقاعد مقارنة بنتائج عام 1992، حيث حصلت هذه الأحزاب على (23) مقعدًا لأول مرة فى تاريخها. لقد مكّن النظام الإنتخابى الجديد جمهور الأحزاب الصغيرة – بشكل عام – من تأييد أحد مرشحى رئاسة الوزراء وتأييد أحزابهم فى الآن نفسه، الأمر الذى نجم عنه تراجع قوة الحزبين الكبيرين (بـ 10 مقاعد لكل منهما)، وتعاظم قوة الأحزاب الصغيرة، ولا سيما المتدينة منها. كما كان لاستنفار الأحزاب الدينية جمهورها الإنتخابى – بعد هجوم اليسار عليها إثر إغتيال "رابين"- وإستخدامها كفاءات تنظيمية رفيعة المستوى، وأدوات دعائية متقدمة، بل ووسائل تزوير وإحتيال متقنة، عميق الأثر فى نجاح حملاتها الإنتخابية وتعزيز قوتها البرلمانية.

2 – على الرغم من النظام الإنتخابى الجديد، وصلاحيات رئيس الحكومة الواسعة، إلا أن ميزان القوة فى الكنيست الجديد أدى إلى استمرار الممارسات الإبتزازية للأحزاب الصغيرة، ولا سيما المتدينة منها. لقد كان لزامًا على رئيس الحكومة المنتخب أن يبحث عن حلفاء له فى المعسكر الدينى لكى يتمكن من تشكيل الحكومة، ذلك لأنه لم يكن فى مقدوره تشكيلها بتحالف كل أحزاب اليمين والوسط، ولهذا تقدمت الأحزاب الدينية بسلسلة طويلة من المطالب إلى "نتانياهو" ثمنًا لدعمها إياه.

3 – إن عمليات الإبتزاز لم تكن من طرف واحد فقط (بمعنى أنها عمليات متبادلة كما هى الحال دومًا)، فرئيس الحكومة المنتخب أدرك حرص الأحزاب الدينية على الدخول فى أي إئتلاف حكومى بغرض الحصول على المناصب الوزارية، والمخصصات المالية، والحيلولة دون تعديل قانون العودة على غير رؤيتها، كما أن الأحزاب الدينية أدركت أن خروجها من الإئتلاف سيؤدى فورًا إلى إنهياره. ولهذا فقد مارس الطرفان (رئيس الحكومة والأحزاب الدينية) كل صنوف الإبتزاز وأنواع المساومة قبيل تشكيل الإئتلاف وبعده، ولعل أزمات: "بارعون"، وتعيين قضاة المحاكم الشرعية، والمجالس المحلية الدينية، والميزانية، تؤكد ذلك. وعلى صعيد آخر، يدفع خوف الأحزاب الدينية من تشكيل حكومة إتحاد وطنى إلى تغاضيها عن بعض مطالبها والحفاظ على الإئتلاف الحاكم، وذلك خوفًا من تلاشى نفوذها، وقد أثبت سلوك حزبى المفدال وشاس ذلك إبان أزمة "نتانياهو/ ليفى" ، وأثناء فترة التعديل الوزارى.

4 – إن العلاقات بين جناحى المعسكر الدينى (الحريدى، والدينى الصهيونى) تتسم بالتوتر، وتشهد اختلافات حادة فى وجهات النظر بين الحين والآخر، وقد أظهرت أزمتا "تعيين القضاة الشرعيين"، وإستيطان رأس العمود ذلك.

وجملة القول فقد استطاعت الأحزاب الدينية أن تمارس دورًا فاعلاً فى الحياة السياسية فى "إسرائيل" – خلال المراحل الأربع- يفوق قوتها البرلمانية فى الكنيست، ويتعدى حجم جمهورها الإنتخابى، حيث شكلت دومًا القوة البرلمانية التى لا يمكن لأي حزب من الحزبين الكبيرين أن يشكل الحكومة بدونها. كما يمكن القول أن هذه الأحزاب قادرة على مضاعفة قوتها، وتعزيز مواقعها فى الحياة السياسية. ولهذا فليس من المستغرب أن نسمع أصواتًا من داخل المعسكر الدينى تتنبأ بأنه فى غضون عشرة أعوام سيظهر رئيس وزراء من حزب دينى.

ثامن عشر: إن هناك جماعات دينية غير حزبية لا تشارك فى الإنتخابات البرلمانية، وتنحصر نشاطاتها فى مجرد الضغط على (أو مساندة) الحكومات المختلفة بهدف تحقيق مطالبها، ومصالحها، وتتمثل هذه الجماعات – من الناحية الأيديولوجية – فى نوعين، هما:

أ – الحركات والجماعات الدينية الصهيونية، وأبرزها :

1 – "كتلة الإيمان: غوش أُمونيم"، التى تنحصر نشاطاتها فى العمل على تعزيز عمليات الإستيطان فى الأراضى العربية المحتلة عام 1967، لأن ذلك من شأنه تمهيد البلاد لقدوم "المسيح"، و"إفتداء إسرائيل"، ولهذا فقد شكلت هذه الحركة الذراع الإستيطانى العملى لحكومات "إسرائيل" العمالية واليمينية على حد سسواء. وحينما شرعت حكومة اليمين فى التفاوض مع مصر ومع الفلسطينيين، راحت الحركة تتبنى سياسة إنشاء مستوطنات الأمر الواقع لإرغام الحكومة على تعزيز الإستيطان، وقد اعتمدت الحركة فى ذلك على أشخاص موالين لها داخل الحكومة. وفى الآن نفسه، فضّل بعض قادة الحركة اللجوء إلى إرهاب الفلسطينيين والتنكيل بهم على أساس أن ذلك سيؤدى إلى التعجيل بالإفتداء وإشعال حرب عربية يهودية تُحول الدولة اليهودية العلمانية إلى "دولة إسرائيل حاملة الإفتداء للعالم بأسره" حسب معتقدات الحركة. وتُمثل الحركة – فى الإجمال – نموذجًا فريدًا لتعاون المتدينين والعلمانيين فى "إسرائيل" لأجل تحقيق هدف محدد يتفق عليه جل سكان الدولة من علمانيين ومتدينين، وهو إستيطان الأراضى المحتلة عام 1967، وتهويدها.

2 – حركة كاخ، وهى تُعد حركة سياسية دينية عنصرية هدفها الرئيسى طرد العرب من كافة "أرض إسرائيل الكاملة" بشتى السبل بما فيها القتل والتنكيل، ذلك لأن الشعب اليهودى – لديهم – شعب مختار ومقدس وفريد، ولأن الخلاص قد إقترب، ولهذا يجب التمهيد له بضم أراضى 1967 وإجلاء كل العرب عنها حسبما ترى الحركة. وتعتبر الحركة أن دولة "إسرائيل" تمهيد لظهور المسيح، وأن اكبر خطر عليها هو إبتعادها عن التربية اليهودية، وتبنيها القيم الغربية الديمقراطية. وقد تحولت الحركة إلى حزب سياسى فى الثمانينيات وحصلت على مقعد فى الكنيست عام 1984، بيد أنها انقسمت بعد مقتل زعيمها إلى منظمتين، ثم تم حظر نشاطات المنظمتين الجديدتين عام 1994.

3 – حركة ميماد، وهى حركة دينية صهيونية إشكنازية تقترب برامجها من برامج حزب العمل، وتتسم مواقفها بالإعتدال فيما يتصل بالعلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل"، فهى تدعو إلى كسْر الهوة بين العلمانيين والمتدينين، ومراعاة القيم الدينية التوراتية فى كافة نواحى الحياة، كما أنها تعارض نشاطات غوش أُمونيم، وتوافق على التنازل عن أجزاء من "أرض إسرائيل الكاملة" مقابل سلام يحافظ على مصالح الدولة، ويضمن أمن المستوطنين.

ب – الحركات والجماعات الدينية المعارضة للصهيونية، وأهمها:

1 – حركة حباد الحسيدية، وهى حركة دينية حسيدية مقرها الرئيسى فى مدينة نيويورك، تناصب التيارات اليهودية المختلفة فى الولايات المتحدة العداء، بل وتخوض صراعًا عنيفًا مع جماعات أرثوذكسية حسيدية أخرى مثل طائفة ساطمر الحسيدية. والحركة لا تعترف بالصهيونية لأنها تتناقض مع التوراة وتستعجل الخلاص، غير أنها راحت – منذ عام 1995- تقترب شيئًا فشيئًا من الدولة الصهيونية حتى اعتبرت الدولة مبادرة إلهية ومرحلة من مراحل الخلاص، لا ينقصها سوى حكم التوراة. وللحركة نفوذ كبير فى الحياة السياسية فى "إسرائيل"، فعلى الرغم من أن أتباعها فى "إسرائيل" لا يُشكلون قائمة حزبية مستقلة، إلا أنهم يُشاركون فى الإنتخابات لتأييد الحزب الدينى الحريدى الذى يحدده زعيم الحركة، والذى غالبًا مايكون حزب أغودات إسرائيل. وقد كانت لزعيم الحركة السابق الحاخام من لوبافيتش "شنيورسون" مكانة مرموقة فى الحياة السياسية فى "إسرائيل"، ولدى العديد من كبار قادة الأحزاب الكبيرة، ولعل ما حدث عام 1988 يدلل على ذلك. وفوق ما تقدم، للحركة مواقف متشددة تجاه مسألة الأراضى المحتلة، فهى ترفض فكرة الأرض مقابل السلام، وتطالب بضم هذه الأراضى وطرد العرب، بل وقتلهم. كما أيدت الحركة نشاطات غوش أُمونيم لأنها ترى أن إستيطان "أرض إسرائيل" شرط لا غنى عنه لظهور المسيح. ويخدم أتباع الحركة فى الجيش، ويتقربون من العلمانيين طمعًا فى توبتهم بإعتبار أن ذلك، أيضًا، شرط لقدوم المسيح.

2 – حركة الطائفة الحريدية، وهى حركة تتشكل من تآلف عدة جماعات حسيدية، وتؤمن بعدة أسس تدور حول عدم الإعتراف – نهائيًا- بالصهيونية، ومقاطعة مؤسسات الدولة بشكل مطلق، بل ومعاداة حزب أغودات إسرائيل لتصالحه مع الصهيونية، ولهذا لا تشارك الحركة فى الإنتخابات، ولا تتلقى أموالاً من الحكومة، وينحصر نشاطها فى الإحتجاج على تدنيس حرمات التوراة، ومحاربة إنتشار الإباحية والرذيلة. وقد أثبت واقع الحال، فى "إسرائيل" أن الدولة استطاعت – بمؤسساتها وإمكانياتها- أن تُحد من نفوذ هذه الحركة ونشاطاتها ذلك لأن عدة جماعات – من الجماعات المنضوية تحت لوائها- تُفضل أموال الدولة على البقاء داخل الحركة.

3 – حركة حراس المدينة، وهى حركة حريدية منشقة عن حركة أغودات إسرائيل عام 1935 بعد تصالح هذه الأخيرة مع الصهيونية، ولذلك فهى لا تعترف بالصهيونية، ولا تتعامل مع مؤسسات الدولة، بل وتنعزل كليةً عنها، فالصهيونية – حسب معتقدات ناطورى كارتا- واحدة من أخطر المؤامرات الشيطانية على اليهودية ومروق من الدين، بل إن الصهيونية والنازية ينبعان من مصدر واحد هو القومية التى ظهرت فى أوربا. أما الدولة، فهى ثمرة المروق من الدين، وإنتهاك لتعاليم التوراة، ومن صنع ثلة من الكافرين. وتؤمن الحركة بأن اليهود جماعة دينية وليسوا شعبًا بالمعنى الذى قدمته الحركة الصهيونية. ولأن المسيح هو وحده الذى سيقوم بمهمة جمع شتات اليهود، فإن العلاقة بين اليهودى وأرض الميعاد – حتى وقت قدوم المسيح – هى علاقة روحية قلبية. ولهذا كله فإن نشاطات الحركة تنحصر فى الإحتجاج على نشاطات الدولة، وفضح ممارساتها المناقضة للتوراة، وقد نددت الحركة بإحتلال الأراضى العربية، وغزو لبنان، واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل. ويبتعد أتباعها عن كل أشكال الحياة العلمانية، ولا يتعاملون مع كافة مؤسسات الدولة، بل ويرفضون زيارة حائط "المبكى" لأن القدس فتحت عُنوة، كما تنشط الحركة دعائيًا فى الولايات المتحدة بهدف إيضاح أن اليهودية والصهيونية أمران منفصلان.

تاسع عشر: إن الخلاف بين العلمانيين والمتدينين هو خلاف بين الدولة والدين فى "إسرائيل"، أي خلاف فى شأن طابع الدولة: أتكون دولة قوانين وضعية تستبعد الدين كليةً من أسس التنظيم السياسى، أم دولة الهالاخاه التى تستند فيها كافة قطاعات المجتمع إلى تعاليم التوراة؟. ولقد اتخذ هذا الصراع صورًا متعددة فى الكثير من المجالات (إعلان "الإستقلال"، الدستور، من هو اليهودى، السبت، التعليم، المرأة، الزواج المختلط، الأطعمة والذبائح، الآثار والحفريات، تشريح الجثث وزراعة الأعضاء، وحائط "المبكى")، ويحتدم الصراع بين طرفى النزاع بشأن صورة منها فى مناسبة أو أخرى، ثم تخف حدته فى إنتظار صورة أخرى ومناسبة جديدة، وهكذا. وفى الإجمال لا تُقدم الأحزاب الدينية أي تنازل فى شأن موضوع من هو اليهودى، أما فيما عدا ذلك فقابل للمساومة والمناورة والإبتزاز، حيث يكون ثمن التغاضى عن بعض المطالب هو تعزيز المخصصات المالية للمؤسسات والمدارس الدينية.

ولهذا فمن الصعوبة التوصل إلى حلول للمسائل المتصلة بالعلاقة بين الدين والدولة فى "إسرائيل" حال تعريف اليهودى، ووضع المرأة، والزواج المختلط، وغير ذلك؛ ذلك بأن الوصول إلى حلول حاسمة فى هذا الشأن يتم إما بسيطرة اليهود المتدينين على الدولة وعلى يهود العالم وهذا أمر من العسير تحققه فى ضوء أنهم يشكلون نسبة صغيرة من يهود العالم، وإما بسحق اليهود غير المتدينين اليهود المتدينين وهذا أيضًا من الأمور المستحيلة وذلك بسبب الحاجة إلى الشرعية الدينية التى توفرها الديانة اليهودية للدولة والتى يدافع عنها المتدينون من اليهود بطبيعة الحال. ولهذا فإن واقع الحال فى "إسرائيل" يشير إلى أن وقوع أحداث عنف بين المتدينين و "العلمانيين" أمر غير مستبعد، إذ أن الصراع بين التيار الدينى و "العلمانى" يشكل التهديد الأكثر خطورة على الدولة.

عشرون: إنه لا يمكن أن نتجاهل الإنقسامات التى يعانى منها كل معسكر من المعسكرين العلمانى والدينى وذلك من الناحيتين الفكرية والعرقية، فالعلمانيون يتوزعون بين علمانيين يمينيين (فى أحزاب الليكود وتسوميت وجيشر وموليديت والطريق الثالث)، وعلمانيين يساريين (فى حزبى العمل وميرتس)، وعلمانيين شيوعيين (فى قائمة حداش). أما العسكر الدينى فينقسم جمهوره بين حريديين متشددين، ومتدينين صهاينة، وتقليديين يحافظون على التقاليد، بل ومتدينين إصلاحيين ومحافظين. وداخل المجتمع الحريدى المتشدد نجد يهودًا حريديين ليتوانيين (فى حزب ديغل هيتوراه، وكتلة يهدوت هيتوراه)، ويهودًا حريديين حسيديين (داخل حزب أغودا، وحركتى حباد والطائفة الحريدية، وطائفة ساطمر)، ويهودًا حريديين شرقيين (داخل حزب شاس)، فضلاً عن وجود يهود حريديين منعزلين كليةً عن الدولة (داخل حركة ناطورى كارتا).أما داخل الجناح الدينى الصهيونى فثمة من يرتد إلى اصول شرقية (داخل حزب المفدال)، وثمة من يرتد إلى أصول إشكنازية (داخل حزب المفدال، وحركتى غوش أُمونيم وكاخ). هذا فضلاً عن وجود يهود إشكناز من الجمهوريات السوفيتية السابقة، ويهود فلاشا، وغيرهم. ومن هنا، فبدلاً من الصورة المبسطة للصراع بين العلمانيين والمتدينين، نجد صورة بالغة التعقيد والتداخل لصراع بين معسكرين، يضم كل منهما عددًا من المتناقضات الحادة.

ب – أظهر السمات العامة التى تتسم بها قوى الحياة السياسية و "الممارسة الديمقراطية" فى "إسرائيل" بشكل عام:

أولاً: إنه لا يمكننا تجاهل أو تجاوز – ونحن نتحدث عن الأحزاب الدينية فى "إسرائيل" والحياة السياسية بشكل عام – حقيقة طبيعة دولة "إسرائيل" والتى هى: كيان استعمارى استيطانى عنصرى عسكرى توسعى عميل للقوى الإستعمارية الكبرى، تابع – اقتصاديًا- لها، وغريب – حضاريًا - عن المنطقة العربية الإسلامية. لقد أنشأت الحركة الصهيونية – بدعم من القوى الكبرى – "دولة إسرائيل" لحل المشكلات التى واجهت الجماعات اليهودية فى أوريا فى أعقاب عصر التنوير الأوربى، ولهذا فالحركة الصهيونية نشأت أولاً، ثم راحت تجند أنصارًا ومؤيدين لها فى أوساط الجماعات اليهودية فى أوربا لتشرع – بعد ذلك وبدعم من بريطانيا فى الأساس – فى تهجيرهم إلى فلسطين ، وتشكيل عصابات مسلحة منهم لإبادة أصحاب البلاد الأصليين وطرد وإرهاب من يتبقى منهم. وقد التقت أهداف ومطامع هذه الحركة – فى إقامة دولة لليهود فى فلسطين – مع مصالح ومطامع القوى الإستعمارية الغربية فى إقامة حاجز بشرى غريب بين مشرق العالم العربى ومغربه يحول دون قيام خلافة إسلامية عربية محل الخلافة الإسلامية العثمانية التى كانت فى أيامها الأخيرة وقتذاك. ولهذا فقد كان من البديهى أن تلد الحركة الصهيونية دولةً صهيونية إقليمها الجغرافى اغتصب من أهله بعد عمليات قتل وإرهاب وتشريد، وعنصرها البشرى تم جلبه من أوربا فى الأساس، ثم من العالمين العربى والإسلامى، دون أن يتسم بالتجانس، ودون أن يجمعه تاريخ مشترك، أو أن توحده لغة مشتركة. وقد راحت الدولة – كما الحركة الصهيونية من قبل – تُسخّر عدة إدعاءات وأسانيد دينية وتاريخية فى خدمة أهدافها ومصالحها.

ثانيًا : إن الدولة الصهيونية تشهد مشكلة طائفية حادة يعانى منها اليهود الشرقيون، ذلك بأن حلم زعماء الحر كة الصهيونية بدولة تجمع ما أسموه "الشتات اليهودى" من كافة أنحاء العالم وتقضى على ما أسموه "المسألة اليهودية" قد تبخر وتلاشى بمجرد وصول أفراد الجماعات اليهودية إلى أرض هم غرباء عنها بقدر ما هى غريبة عنهم. ولهذا فقد كان من الطبيعى أن يعانى اليهود الشرقيون العديد من مظاهر التمييز العنصرى فى جل قطاعات المجتمع من إسكان وتعليم وصحة واقتصاد وسياسة وجيش، وغيرها. ولعل فى الظروف المعيشية لليهود الشرقيين فى مدن التطوير والأحياء الفقيرة حول المدن، وإتلاف دم اليهود الفلاشا فى فبراير 1996، ولجوء عدد من اليهود الشرقيين إلى أريحا وطلبهم اللجوء السياسى لدى السلطة الوطنية الفلسطينية فى سبتمبر من عام 1997 ما يؤكد العنصرية التى تُمارس ضد اليهود الشرقيين فى "إسرائيل".

ثالثًا : نظرًا لأن الدولة الصهيونية نشأت كدولة لكل يهود العالم وليس كدولة لكل المقيمين فى فلسطين، فقد كان من الطبيعى ألا تعترف هذه الدولة بمن تبقى من أصحاب البلاد الشرعيين، بل وأن يخضع هؤلاء لأشد أنواع التمييز العنصرى من جانب اليهود. ولعل فيما تتسم به القوانين الإسرائيلية من عنصرية وتمييز، وما تُصدره المحاكم الإسرائيلية من أحكام هزيلة فى شأن الإعتداء على أرواح العرب وممتلكاتهم، وحرمان العرب من إمتلاك الأراضى (بمقتضى قانون أراضى الدولة الصادر عام 1960)، وموافقة الكنيست – فى قراءة أولى – على مشروع قانون يبيح لجهاز الأمن الداخلى (الشين بيت) تعذيب المعتقلين العرب.. مايثبت ذلك.

رابعًا : إن الدولة الصهيونية تشهد حركة نزوح واسعة النطاق، حيث يُهاجر منها كل عام الآلاف من اليهود بهدف الإستقرار فى الولايات المتحدة وأوربا الغربية وذلك على الرغم من أنها كيان استيطانى يعتمد، فى الأساس، على الهجرة. ولهذا فقد شهدت بعض السنوات معدلات هجرة صافية سالبة حال ما حدث أعوام 1953، 1980، 1981، 1985، 1986، 1987، 1988م. ويلاحظ أن ثمة تناسبًا عكسيًا بين عدد النازحين وعدد القادمين، كما أن للعاملين الاقتصادى والأمنى دورًا لا يستهان به فى هذا الصدد. هذا فضلاً عن أن تفاقم الإنقسام الاجتماعى بين المستوطنين وتعاظم أزمات الإستيعاب يفضى – بلا شك – إلى كشف عمليات التضليل التى يمارسها كل من الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة والإستيعاب بغرض دفع الجماعات اليهودية إلى الهجرة إلى "إسرائيل"، وهذا كله يجعل من الولايات المتحدة الأمريكية "أرض الميعاد الحقيقية" عند يهود اليوم.

خامسًا: إن ثمة قانونيْن فى "إسرائيل" ليس لهما مثيل فى أية دولة من دول العالم المعاصر هما قانون العودة وقانون الجنسية، إذ ترجم الأول إدعاءات دينية – هى حق عودة اليهود إلى أرض الميعاد – إلى واقع فعلى، فهو يمنح لكل من يعتنق اليهودية، فى أي مكان فى العالم، الحق فى المجئ إلى "إسرائيل" كمهاجر. كما يحصل هذا المهاجر على "الجنسية الإسرائيلية" بمقتضى القانون الثانى، وذلك بمجرد إعلانه أو تعبيره عن رغبته فى الهجرة إلى "إسرائيل" . ويزعم ساسة الدولة أن هذين القانونين يضمنان لليهودى المهاجر إلى فلسطين أن "يستأنف" وضعه القانونى الذى فقده قبل نحو ألفى عام، حينما يترك "مسقط رأسه" و "يعود" إلى "وطنه الأصلى" !!. وفى مقابل ذلك حدّد قانون الجنسية شروطًا ستًا للتجنس جعلت من الصعوبة على أصحاب البلاد الشرعيين الفلسطينيين أن يحصلوا على الجنسية.

سادسًا: إنه لا يمكن تجاهل طبيعة الإقتصاد الإسرائيلى – الذى – مكّن الدولة من البقاء ومن التسلح بالشكل الذى هى عليه اليوم – وكذا مصادر الدعم المختلفة التى تحصل عليها الدولة. فعلى الرغم من أن الناتج المحلى الإجمالى، بلغ عام 1995، أكثر من (91) مليار دولار، وأن تقرير البنك الدولى – الصادر عام 1997- قد قدّر معدل النمو السنوى فى هذا التاريخ خلال السنوات من 1990- 1995 بنحو (4ر6%)، وأن متوسط نصيب الفرد من هذا الناتج قد بلغ – عام 1995- نحو (16) ألف دولار، فإنه لايمكن تجاوز جملة من الحقائق فى شأن هذا الإقتصاد، لعل أهمها ما يلى:

1 – أن نشأة اقتصاد الجماعات اليهودية فى فلسطين – قبل قيام الدولة الصهيونية – إنما يرتد، فى الأساس، إلى ركيزتين رئيسيتين هما: الأولى إغتصاب ونهب ممتلكات وأراضى وودائع العرب الذين تم قتلهم أو تشريدهم، أما الركيزة الثانية فتتمثل فى سياسات سلطة الإحتلال البريطانى فى فلسطين التى ساعدت على ظهور رأسمالية يهودية خاصة من خلال تسهيل حصول اليهود على إمتيازات تأسيس عدة شركات إحتكارية، والتى سهلت لليهود شراء الأراضى من العرب عن طريق عدة أساليب أقل ما يقال عنها أنها لا أخلاقية، والتى، أيضًا، عمدت إلى تشجيع الصناعات اليهودية وحمايتهم على حساب مصلحة العرب ومنتجاتهم.

2 – سيطرة الدولة على جل النشاطات الإقتصادية فى "إسرائيل" وذلك عن طريق سياساتها المالية والنقدية والأجرية من جهة، ومن خلال مؤسساتها المختلفة والوكالة اليهودية والهستدروت من جهة أخرى. وقد أفضى هذا إلى أن صارت الدولة تمتلك نحو (95%) من الأراضى.

3 – إن ثمة علاقة وثيقة وقوية بين الجيش والإقتصاد فى "إسرائيل"، فقد كان من الطبيعى أن يوضع الإقتصاد فى خدمة جيش دولة قامت بحد السيف، وتعيش وسط عالم مختلف عنها حضاريًا وثقافيًا، ويمثل التوسع البشرى والجغرافى هدفًا نهائيًا لها. ولهذا فإن نسبة الإنفاق العسكرى فى "إسرائيل" من أعلى النسب فى العالم، إذ تمثل الميزانية العسكرية نحو ثلثى الناتج القومى الإجمالى، ونصف الميزانية العامة فى معظم السنوات، كما أن هذا الوضع أفضى، أيضًا، إلى نمو الصناعات العسكرية فى "إسرائيل" الأمر الذى وضعها فى مركز متقدم بين الدول المصدرة للسلاح فى العالم.

4 – إعتماد الدولة الكامل على المعونات والمساعدات الأجنبية سواء أكانت فى شكل منح وهبات أم فى شكل قروض وتسهيلات تجارية، على وضع يفوق كل أشكال العلاقات الإقتصادية الدولية. وقد قامت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بتقديم الدعم المالى والعسكرى والسياسى للدولة فى أعقاب قيامها مباشرة. ومنذ منتصف الستينيات بدأ الدعم الأمريكى فى التزايد إلى أن وصلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فى عهد إدارة "بيل كلنتون"، إلى حد ليس له مثيل فى العلاقات الدولية المعاصرة. ويكفى أن نشير إلى أن هذه الإدارة جعلت جل أعضاء الحكومة وموظفى البيت الأبيض من الأمريكيين اليهود أو من الأمريكيين المعروف عنهم ولائهم الشديد لـ "إسرائيل"، وأن الدعم العسكرى الأمريكى العلنى السنوى لـ "إسرائيل" يقدر بنحو (8ر1) مليار دولار، وأن الدعم الإقتصادى الأمريكى العلنى السنوى يقدر بنحو (2ر1) مليار دولار، هذا عدا الإتفاقيات الإستراتيجية والأمنية، والحماية السياسية التى تقدمها هذه الإدارة لـ "إسرائيل" فى المحافل الدولية. وقد ترجم "شيمون بيريز" ما سبق، معلقًا على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بُعيد إغتيال "رابين"، بقوله "لقد أفلسنا من الطلبات فكل ما طلبناه من كلنتون أعطاه لنا"، كما علقت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية على ذلك، أيضًا، بتاريخ الثانى من مايو 1996، بقولها: "إن كلنتون سيدخل فى سجلات التاريخ.. كأول رئيس أمريكى يتصرف كالولد المطيع الذى لا يعرف كيف يقول : لا.".

5 – إنه على الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية فى الإقتصاد الإسرائيلى، ومن الإنتعاش الذى يشهده هذا الإقتصاد فى بعض السنوات إلا أنه لا يمكن تصوير ذلك على أنه معجزة اقتصادية؛ نظرًا لأن المنح والمعونات هى التى تقف وراء ذلك، ودليل ذلك أن هناك العديد من المؤشرات الإقتصادية التى تكشف عن أوجه القصور فى الإقتصاد الإسرائيلى والتى منها إرتفاع نسبة التضخم السنوية، ونسبة البطالة، ونسبة الإستهلاك العام والإستهلاك الخاص، وتدنى إنتاجية العامل الإسرائيلى بالنظر إلى مستوى الدخل المرتفع، والعجز شبه الدائم فى الميزان التجارى فى الوقت الذى يحقق فيه ميزان المدفوعات فائضًا فى بعض السنوات نظرًا لتدفق المعونات الخارجية.

سابعًا: إن الكنيست الإسرائيلى لا يخلو من مشاهد تخالف القيم الديمقراطية، من ذلك ما يُسمى مثلاً بقانون العدد الذى يحول دون وصول ممثلى الأحزاب العربية والشيوعية إلى اللجان الرئيسية فى الكنيست كلجنة المالية ولجنة الشؤون الخارجية والأمن. ونظرًا لأن جل القوانين التى يقرها المجلس تصدر بأغلبية الحاضرين، إذ ليس ثمة نصاب قانونى لحضور الأعضاء جلسات المجلس، فإن الأحزاب الكبيرة كثيرًا ما تنفرد بالمناقشة والتصويت وسن القوانين. وقد ظل قرار حل الكنيست من إختصاص الكنيست ذاته حتى خوّل القانون الأساسى للحكومة الصادر عام 1992، والذى تم العمل به بدءًا من انتخابات 1996 ، رئيس الحكومة هذا الحق. ومن ناحية أخرى يتمتع أعضاء الكنيست بحصانة برلمانية ليس لها مثيل فى دول الغرب الديمقراطية، فهى لا تقتصر على ما يُبديه العضو من آراء وأقوال داخل الكنيست، وإنما تمتد إلى ما يبدر منه من أقوال وآراء خارج الكنيست أيضًا، بل وتمتد إلى كل تصرفاته حتى ولو لم تكن متعلقة بمهامه البرلمانية، وتظل سارية المفعول حتى بعد أن تنتهى عضويته، ولا يمكن رفعها عن العضو حتى وإن أساء استغلالها إلا بأغلبية أعضاء الكنيست وبناءً على طلب "مدعى عام الدولة".

ثامنًا: إن الحكومة ظلت، دومًا، صاحبة الكلمة العليا ذلك لأنها هى صاحبة الأغلبية فى الكنيست، ومن هنا فهى تستطيع تمرير، أو منع، أي مشروع قانون، كما أن القانون الأساسى للحكومة الصادر عام 1968 خوّلها الحق فى "العمل بإسم الدولة فى أي مجال لايكون خاضعًا حسب القانون لأية سلطة أخرى". وبعد أن كانت الحكومة تستمد مصدر صلاحيتها من الكنيست، صارت، بموجب القانون الأساسى للحكومة الصادر عام 1992، تستمد سلطتها من الشعب مباشرة إذ صار رئيسها يُنتخب مباشرة من الشعب، كما صار لهذا الرئيس الحق فى حل الكنيست.

تاسعًا: إن الهستدروت مثلت فى واقع الأمر- قبل قيام الدولة – الأداة الفعلية لوضع الفكرة الصهيونية موضع التنفيذ، وذلك من خلال قيامها بتنظيم عمليات الهجرة والإستيعاب والإستيطان وإيجاد فرص عمل للمهاجرين. والهستدروت ليست كبقية إتحادات نقابات العمال فى دول العالم المختلفة، إذ أنها ظهرت قبل نشأة النقابات والإتحادات الخاضعة لها، بل وقبل قدوم العمال أنفسهم، كما أنها لا تدافع عن مصالح أعضائها فحسب، وإنما هى، فوق ذلك، أكبر رب عمل داخل الدولة. هذا إلى جانب أن لها أدوارًا أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، حال عملها الدؤوب – طوال عقود خلت – على كسر الحصار الإقتصادى العربى، والتغلغل فى الأسواق الأفريقية والآسيوية.

عاشرا: إن دور العسكريين فى "إسرائيل" لا ينحصر فقط فى إطار ما يسمى المجمع العسكرى الصناعى أو الضغط على السلطة السياسية بهدف تحقيق مصالحهم الذاتية، ذلك بأن المؤسسة العسكرية تلعب هناك دورًا فاعلاً ومؤثرًا فى الحياة السياسية على وضع جعل أحد الباحثين الإسرائيليين (إسرائيل شاحاك) يصف المجتمع الإسرائيلى بأنه "جيش له دولة وليس دولة لها جيش" . ولعل هذا يرتد إلى عدة سمات انفردت بها "إسرائيل" دون غيرها من الدول، أهمها : قيام الدولة بقوة السلاح فى بيئة عربية معادية لها، وتبنيها التوسع كهدف دائم ونهائى لها، وتخصيص نسبة عالية من ميزانية الدولة للشؤون العسكرية، وعمل ما يقرب من (15%) من مجمل السكان فى الجيش، وتوظيف نحو (25%) من إجمالى القوة العاملة فى الصناعات العسكرية، ونظام الخدمة العسكرية الذى ليس له مثيل فى العالم كله، وسيطرة الجيش على جل منظمات الشباب والبالغين وتخريجه لجل الكوادر القيادية فى الدولة. هذا فضلاً عن أن للجيش دورًا هامًا فى عملية صهر الجماعات المختلفة سلاليًا ولغويًا ومذهبيًا من جهة، ونشأته من باطن الأحزاب السياسية من جهة أخرى.

حادى عشر: للمنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية أدوار مؤثرة فى الحياة السياسية فى "إسرائيل"، فبعد أن كان لهما دور ريادى فى جميع المجالات قبل قيام الدولة، وظفت الدولة إمكانياتهما المختلفة فى خدمة أهدافها على وضع صارت معه المنظمة أداة للحكومة فى الخارج، فى مجال الهجرة والإستيعاب على وجه التحديد، كما أمست الوكالة أداة الحكومة فى الداخل وفى ذات مجال المنظمة. وهكذا فالمنظمة والوكالة يشكلان معًا – بلا شك – قوة دعم للحكومة لا نجد له نظيرًا فى أية دولة من دول عالمنا المعاصر.

ثانى عشر: على الرغم من ظهور حركات وجماعات فى "إسرائيل" تسمى "حركات السلام" إلا أنها قاطبة تمارس الضغط على الحكومات الإسرائيلية فى اتجاه الوصول إلى سلام مع الدول العربية نظير التنازل عن أجزاء من الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وبهدف نهائى هو تحقيق أمن "إسرائيل" والإسرائيليين. أما فيما عدا ذلك فهى لا تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة، ولا العودة إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967، ولا عودة اللاجئين، وتؤمن بالقدس عاصمة موحدة لـ "إسرائيل"، وتتخذ مواقف مبهمة من مسألة الإستيطان فى الأراضى المحتلة.

ثالث عشر: إن "إسرائيل" تشهد نسبة مشاركة سياسية مرتفعة، إذ تتراوح نسبة مشاركة من لهم حق الإنتخاب فى عملية الإقتراع فى مجمل الإنتخابات السابقة ما بين (1ر75%) ، و (9ر86%)، وهى نسبة تتجاوز بكثير النسب المناظرة فى العديد من الديمقراطيات الغربية، ولعل ذلك يرتد فى المقام الأول إلى إرتفاع عدد أصحاب حق الإقتراع بشكل سريع مع كل دورة إنتخابية جديدة نظرًا لأن الدولة تعتمد على إستقبال المهاجرين. هذا إلى جانب الدور القوى الذى تلعبه الأحزاب السياسية، والوعى السياسى لدى اليهود وحبهم للتحزب بصفة عامة. هذا فضلاً عن الجهود الدؤوبة لقادة الدولة فى التشبه بالديمقراطيات الغربية وإظهار دولتهم كواحة للديمقراطية وسط عالم عربى يتحكم فيه عدد من المستبدين.

رابع عشر: على الرغم من أن صورًا عديدة للفساد السياسى تظهر فى العديد من دول العالم المعاصر إلا أن هذا الأمر وصل فى "إسرائيل" إلى حد ليس له مثيل فى أية دولة أخرى. ويكفى للتدليل على ذلك أن أحد المطلوبين فى فرنسا جنائيًا إستطاع الوصول إلى عضوية الكنيست فى السبعينيات، وأن أكثر من عشر شخصيات سياسية إسرائيلة أُتهمت فى قضايا فساد ورشوة وتزوير وإستغلال نفوذ بعد إعتلاء "بنيامين نتانياهو" سدة الحكم عام 1996، ومن هذه الشخصيات رئيس الوزراء وعدد من الوزراء وعدد من أعضاء الكنيست ومحافظ البنك المركزى ورؤساء أحزاب ورئيس بلدية القدس.

خامس عشر: إن ثمة سمات عدة تشترك فيها جل الأحزاب السياسية فى "إسرائيل"، ومن هذه السمات: نشأة هذه الأحزاب قبل قيام الدولة وإنشاءها لفروع فى خارج "إسرائيل"، وتمثيلها لصورة المنظمة الصهيونية حال نشأتها، وللمجتمع الإسرائيلى اليوم، وإتفاقها على هدف واحد هو دعم "إسرائيل" وضمان أمنها ورفاهيتها، مع إختلافها فى السبل إلى ذلك، ومركزية القيادة داخلها وسيطرة العنصر اليهودى البولندى على نخبها القيادية، وتلقيها الدعم المالى والمعنوى من الخارج، ومعاناتها من كثرة الإنشقاقات والتحالفات.

***

وهكذا يمكننا الإنتهاء إلى القول أن الدين شكّل أحد الأساليب التى لجأت إليها الحركة الصهيونية لتقنيع أهدافها ومطامعها الإستعمارية، ولا تزال الدولة الصهيونية تستخدمه لذات الغرض إلى وقتنا هذا.

فالحركة الصهيونية حركة سياسية بأهدافها ووسائلها، حيث تمثل هدفها فى إقامة دولة لليهود فى فلسطين بالإعتماد على عمل اليهود أنفسهم، وهى بهذا خرجت عن الفكرة اليهودية الدينية القديمة التى كان يؤمن بها عامة اليهود والقائلة بعودة اليهود إلى فلسطين لإعادة بناء الهيكل على يد المسيح المخلص. وقد راحت الحركة الصهيونية – فى صياغتها لأهدافها ومطامعها الإستعمارية تلك – تتقنع بأفكار ومقولات عدة، ففى خطابها تجاه القوى الدولية الكبرى، راحت تؤكد على أن حركة العداء لليهودية (التى صارت تسمى فى الخطاب الصهيونى حركة العداء للسامية) هى التى خلقت ما أسمته المسألة اليهودية، ولأن اليهود يشكلون أمة واحدة كبقية أمم الأرض، فإن الحل الأمثل لمشكلتهم هو فى إقامة دولة لهم فى فلسطين إستنادًا إلى فكرة القوميات، وذلك على غرار ما تحقق للفرنسيين والألمان، وغيرها من الشعوب. أما فى خطاب الحركة تجاه الجماعات اليهودية المختلفة، ولا سيما فى شرق أوربا – حيث كان يقطن معظم يهود العالم – لجأت الحركة الصهيونية إلى إستعمال مقولات دينية وتاريخية ليس لها أي أساس واقعى، فاليهود شعب الله المختار الذى وعده الله الأرض المقدسة، وهم أول من سكنوا فلسطين، ولم يخرجوا منها إلا على يد الغزاة، والدولة اليهودية المنشودة تمثل تمهيدًا لقدوم المسيح.

ولتحقيق أهدافها ومطامعها، لجأت الحركة الصهيونية إلى دفع الجماعات اليهودية للهجرة إلى فلسطين لتوطينهم هناك وإحلالهم محل أصحاب البلاد الشرعيين، ذلك بأن فلسطين لم تكن قبلة اليهود أو أرض ميعادهم كما ادعت الحركة، ومن هنا يبرز دور المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية. ونظرًا لأن فلسطين لم تكن أرضًا بلا شعب، فقد لجأت الحركة الصهيونية إلى إعتماد القوة وسيلةً أساسية فى تعاملها مع أهلها الأصليين، ولهذا فمن العسير التمييز بين سكان الدولة الصهيونية وجيشها.

ولم يكن فى مقدور الحركة أن تحقق ما تصبو إليه من غير دعم القوى الإستعمارية الكبرى (بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية)، تلك القوى التى تلاقت مصالحها وأطماعها فى الشرق فى مصالح وأطماع الحركة الصهيونية (ثم الدولة الصهيونية) منذ القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا.

وقد كان نتاج ذلك أن ظهرت "إسرائيل"، التى هى، فى حقيقتها، كيان إستعمارى ، إستيطانى، إحلالى، عنصرى، عسكرى، توسعى، عميل للقوى الإستعمارية الكبرى وتابع – اقتصاديًا – لها، غريب – حضاريًا- عن المنطقة العربية الإسلامية، وهى – فوق ذلك- تستغل الدين فى كسب الشرعية وسط الجماهير اليهودية، وفى جذب التيارات اليهودية المختلفة فى صفها، وفى خدمة أهدافها ومطامعها التوسعية. وهى لهذا ليست "واحة الديمقراطية الوحيدة" ولا "المارد الإقتصادى القوى" فى المنطقة العربية، كما أنها ليست تعبيرًا عن "بعث الشعب اليهودى" بعد سنوات العذاب والتشريد كما تروج قوى العالم الغربى.

وهذا يعنى أن "إسرائيل" ليست دولة دينية، فقيام دولة لليهود فى فلسطين قبل ظهور المسيح أمر يتعارض مع الدين اليهودى، ومع كل الدعاوى اليهودية الدينية بعودة اليهود إلى فلسطين بهدف إنتظار المسيح ليقيم لهم مملكة هناك، كما أن هذه الدولة ترتبط بالصهيونية كفكر مذهبى، وتحكمها الأغلبية العلمانية (بل وحكمتها ذات يوم إمرأة وذلك على الرغم من الوضع المتدنى الذى تحدده الشريعة اليهودية للمرأة)، كما أن جل قوانين الدولة مستمدة من الثقافة الغربية وليست من الديانة اليهودية، ومصدر السلطة هو الشعب، وليس التوراة أو التلمود، فضلاً عن أن سياستها الخارجية التوسعية يحكمها منطق القوة أكثر من التعاليم والنصوص الدينية. أما فى داخل الدولة فثمة عدة شواهد تؤكد مخالفة الدولة للقيم الدينية فالعلاقات الجنسية تكاد تكون مصرح بها فى الجيش، واللواط سلوك اجتماعى مقبول، بل وصادق عليه الكنيست فى مارس عام 1983، و "إسرائيل" تحتل مركزًا متقدمًا بين دول العالم فى تصدير العاهرات، وغير ذلك. أما الدين فهو القوة الروحية التى استندت إليها الحركة الصهيونية فى صياغة أفكارها ومطامعها، حيث مثّلت نصوص التوراة وأسدار التلمود معينًا لا ينضب أمام الحركة تعول عليه فى كسب الشرعية، وفى الهيمنة على كافة التيارات الفكرية اليهودية، شأنها فى ذلك شأن كافة الفرق والجماعات والتيارات اليهودية التى تجد – دومًا- فى تلك النصوص والأسدار مبررات لأفكارها ومواقفها، فهذا ما فعله دعاة الهسكالاه والتنوير فى السابق، ويفعله أنصار اليهودية الإصلاحية والمحافظة اليوم، وكذلك يفعله دعاة الصهيونية الدينية، والأرثوذكسية الحريدية المعارضة للصهيونية بطبيعة الحال.

أما المتدينون، فى "إسرائيل"، فيُشكلون أقلية صغيرة من حيث العدد، بيد أنهم يتمتعون بنفوذ قوى فى الحياة العامة، ذلك لأنهم أقلية منظمة تنظيمًا جيدًا، وقادرة على إستثمار طاقاتها وإمكانياتها بشكل فعّال، ولهذا فإن الأحزاب الدينية فى "إسرائيل" تقوم بدور فاعل فى الحياة السياسية على نحو يفوق حجم جمهورها الإنتخابى، ويتعدى قوتها البرلمانية فى الكنيست، حيث أنها تشكل – دومًا- القوة الثالثة فى الحياة السياسية، بعد قطبى اليسار واليمين، التى بدونها لا يمكن لأي إئتلاف حكومى أن يرى النور.

وإستنادًا إلى ما سبق، فإنه يمكن القول أن واقع الحال فى "إسرائيل" يشير إلى أن القوة البرلمانية للأحزاب الدينية سوف تتزايد، وأن نفوذ الأحزاب والجماعات الدينية سيتعاظم. ولهذا، فليس من المستبعد أن نرى حزبًا دينيًا وقد وصلت قوته البرلمانية إلى قوة قطبى اليسار واليمين لتصبح هناك ثلاث قوى قطبية فى الحياة الحزبية الإسرائيلية، تتقارب قوتها التمثيلية فى الكنيست، أو أن نشاهد رئيسًا للوزراء من أحد الأحزاب الدينية.

تم بحمد الله وعونه وتوفيقه،،،

صدر الكتاب في القاهرة، مكتبة مدبولي، 1999. 


أضف تعليقاً


كود امني
تحديث